قَالَتْ لَهُ عُرْسُهُ يَومًا لِتُسْمِعُنِي: ... مَهْلا فَإِنَّ لَنَا في أُمَّنَا أَرَبَا
وَلَوْ رَأَتْنِي فِي نَارِ مُسَعَّرَةٍ ... ثُمَّ اسْتَطَاعَتْ لَزَادَتْ فَوْقَها حَطَبا
المقطوعة السابقة وردت في ديوان الحماسة الذي جمعه الشاعر أبو تمام على أساس يختلف عن الأسس التي جمع عليها أصحاب المجموعات الشعرية هذه المجموعات. فأبو تمام لم يجمع الشعر لشهرة صاحبه، أو لطول القصائد، أو ذيوع أمرها، كما أنه لم يتقيد في اختياراته بما يتفق ومذهبه الفني، الذي يقوم على تركيب الصورة وتعقيدها فنيا، وعمق المعاني، وإدخال الصنوف البديعية بعضها على بعض على نحو جعل النقاد يذهبون إلى تقرير خروجه عن عمود الشعر المعروف، ومخالفته لما ألف عند العرب في الإبداع الشعري.
ويعتد أبو تمام في ديوان الحماسة على ما يمليه الطبع المواتي، ويعبر عن نفس قائله تعبيرًا مباشرًا حتى وإن بعد الصنعة الفنية والتجويد فيها كما هو جوهر مذهبه، وهذه المقطوعة تبين ذلك، فهذه المقطوعة تصور حالة نفسية هي مزيج من الشعور بالألم والمرارة، والتعجب مما يخفيه البعض في نفوسهم من حب الانتقام، وكشف ما يخالف ذلك تمامًا.
ويمكننا أن نكشف من خلال الأبيات ما يلي:
أولًا: حالة الضعف التي يكون عليها الأبناء في طفولتهم، وعجزهم ... العقلي والجسمي.
ثانيًا: ما يقوم به الآباء من بسطٍ للرعاية والعناية والتهذيب حتى يتخطى الأبناء حالات الضعف وتستقيم أعوادهم.
ثالثًا: مقابلة الإحسان بالإساءة، والبر بالعقوق.
رابعًا: التظاهر بالحب، وإضمار الحقد والموجدة.
ولعلنا ندرك أن الأمور الأربعة السابقة تعمق الإحساس بالألم الذي قلنا إنه المعنى الأساسي الذي تعبر عنه هذه المقطوعة، وليست المعاني الأربع التي حددناها إلا سبلًا توصل إلى هذا المعنى وتكشف عنه. وتقديمه على هذا النحو الفني الجمالي يؤثر في حواسنا ومشاعرنا، ويجعلنا نزداد إيمانا ببر الوالدين والإحسان إليهما عندما يصلان إلى حالة الضعف، لقد أحْسَنَا إلينا في حالة ضعفنا وسبغنا علينا الحماية والرعاية، وبذلا كأعظم ما يكون البذل، وما التفكير الذي نعتقد أنه نتيجة جهدنا إلا جزءًا من توجيههم السابق، وبعضا من إرشادهم لنا في القديم، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح