فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 248

الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، ربكم اعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا صدق الله العظيم، ففي هذه الآيات قضاء بأمرين: عبادة الله وحده، والإحسان للوالدين، فالله هو الخالق الرزاق الرحيم، ولا أحد غيره سبحانه يستحق أن يدين له الإنسان بالعبودية، والأبوان هما سبب الخلق والوجود، وهما حراس النبتة وهي في حال من الضعف لا تستطيع معها دفع الذي أو رد الضرر، ولهذا كانا جديرين بالإحسان، وليس هذا الإحسان مِنَّة من الأبناء عليهما، بل هو سداد لدين واجب الوفاء، ومن الإحسان إليهما لين القول والتلطف فيه.

والكلمة الطيبة تحدث في نفوسهما الأثر الحميد، أما الخشونة في القول، وتسفيه الرأي، وإظهار الامتعاض من التصرف بعد أن يكونا أو أحدهما قد أصابته الشيخوخة فإنه يؤلمهما أشد الإيلام ويؤذيهما أعظم الأذى، ويترك في نفوسهما أثرا سيئا، وذلك ما نشاهده في أبيات تلك الإعرابية التي لم تجد من ابنها عندما قوي واشتد عوده بفضل ما بذلت، إلا الإهانة بالقول، والخشونة في الفعل وكأنه يطلب منها أنة تغيرها ما نشأت عليه، وما نشأ عليه المرء لا يتغير بعد وصوله حد المشيب.

وفي الأبيات بعض المقابلات تساعد الشاعر في إبراز الشعور:

المقابلة الأولى: حالة الضعف التي كان عليها الابن، وحالة القوة التي كانت عليها الأم، وفي هذه الحالة لقى الابن العطف ... والرعاية والتهذيب.

المقابلة الثانية: حالة القوة التي أصبح عليها الابن، حيث تقابلها حالة الضعف عند الأم، وفيها تلقى الأم الإهانة في نفسا وجسمها.

المقابلة الثالثة: تتولد عن المقابلتين السابقتين حيث يقابل الإحسان بالإساءة.

المقابلة الرابعة: ونجدها في هذا التناقض بين مظهر الابن ومخبره فالمظهر يشير إلى أنه رجل، والمتوقع منه أن يتصرف كما يتصرف الرجال الأسوياء فيرد الإحسان لمن أحسن إليه، وأن يكون مستقل الرأي لا مطية لغيره .. ويبدو أن هذا الابن كان منقادا لعرسه التي توغر صدره على أمه في السر، وهي تقول له في العلن ما ظاهره أنها لا توافق على ما يأتيه.

التحليل اللغوي:

يبدأ البيت الأول بالجملة الفعلية (ربيته) وتقع الهاء مفعولا به، والتعبير عن الابن بالضمير دون ذكر الاسم يشير منذ البداية إلى كراهة ذكره، أو على الأقل يكشف عن ضيق الأم الشديد منه، وتأتي الجملة الحالية (وهو مثل الفرخ) لتبين الحالة التي كان عليها ومدى الرعاية التي لقيها من الأم، كما تأتي الجملة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت