فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 248

من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير

وعندما يخرج الاستفهام عن معناه الذي وضع له، يكون خروجه هذا لعله بلاغية، أو يكون استعماله كأداة جمالية، وليس أداة عملية، وبعبارة ثالثة إذا جاء الاستفهام لطلب الفهم كان المراد به المعنى البلاغي، أو المعنى البعيد الذي لا يكشف عنه منطوق العبارة وحده، ويحتاج إلى أمور أخرى مساعدة كالمقام الذي يلقي فه القول، ومن يتوجه به إليه.

التحليل البلاغي:

استعملت الشاعرة في هذه المقطوعة مجموعة من الوسائل البلاغية للوصل إلى بلورة الإحساس بخيبة الأمل والمرارة التي تحس بها نتيجة لموقف ابنها منها على نحو ما أسلفنا القول.

وأول هذه الوسائل، استخدام اللغة بطريقة خاصة، وقد بينا جانبا من ذلك في الاستفهام الذي اسْتُخْدِمَ في غير وظيفته، كما أنه من قبيل ذلك الإتيان بالحال جملة اسمية في البيت الأول، واللجوء إلى الضمير بدلا من الاسم الظاهر في جميع أبيات القصيدة، وقد قلنا إن ذلك يشعر بكراهيتها لذكر الاسم الصريح، كما انه من بين هذا الاستخدام الخاص تقديم الجار والمجرور على المفعول به في البيت الثاني (ومحا عن متنه الكربا) وتقديمه على المفعول في البيت الرابع (وخط لحيته في أمره عجبا) والإتيان بالجملة الإعتراضية التي تفيد الاحتراس.

قالت له عرسه يوما -لتسمعني- ... مهلا فإن لنا في أمنا أربا

فقد جاءت الجملة قبل مقول القول لإزالة ما قد يتوهم من أن زوج الابن تعبر بصدقٍ عما في نفسها، وتقديم خبر إن على اسمها في نفس المثال.

كما استخدمت في الأبيات التمثيل في البيت الأول: (وهو مثل الفرخ أعظمه أم الطعام) ولتمثيل أثره الواضح في تقرير المعنى، وقد استمدت عناصره من الواقع فهي ترى النخل وكيف ينمو ويقوى، كما ترى الأبار الذي يقوم بتربيته وتهذيبه حتى يعطي ثماره.

فمفردات الصورة من معطيات الحس، وهذا أقرب إلى الصدق من الصور المجردة، كما أن هذه الظاهرة مما يميز الشعر القديم، وبخاصة قبل العصر العباسي، كما تستخدم التشبيه في البيت الثاني، وعناصره أيضًا من معطيات الحس، ومما يشاهد في تلك البيئة، كما نلاحظ بساطة الاستخدام في التشبيه، فليس فيه أي نوع من التركيب، أو إخفاء أحد العناصر، وهذا كله يكشف عن صدق التجربة، والبعد عن الصنعة الفنية التي لم يكن الشعر العربي قد اتسم بها من قبل عصر العباسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت