فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 248

11 -وإذا كانت حال الناس على ما هي عليه من السوء، وإذا كانت لا تخلو أرض من الأرضين من شرورهم وآثامهم (فأي الناس أجعله صديقا) والاستفهام هنا للاستنكار، وقد يكون لتعجب فهو هنا يستنكر ويتعجب من أولئك الذين يحثونه على مصادقة الناس وموداتهم كما يتعجب من أولئك الذين يحثونه على أن يسبح في الأرض طلبا للجاه والسلطان، أو الشهرة وذيوع الصيت فيقول: (وأي الأرض أسلكها ارتيادا) أي لا توجد أرض تخلو من شرور البشر ومن ثم فلا أستطيع أن أسلك أي طريق من طرقها.

12 -ثم يوغل في التشاؤم مرة ثانية فيدعي أن النجوم التي في كبد السماء، والتي يهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر، والتي يشبه بها الشعراء والغزالون عشيقاتهم، يدعي أبو العلاء أن هذه النجوم لو تحولت في يديه إلى دراهم ودنانير لنفي أكثرها، وهكذا يصل أبو العلاء في تشاؤمه إلى هذا الحد البعيد الذي يرى فيه النجوم خالية من أي معنى من معاني الجمال والروعة، خالية من أي قيمة حقيقة مادية أو معنوية.

13 -ثم يبدأ في الحديث عن أعدائه وشانئيه بدءًا من البيت السادس عشر فيقول: ما أكثر الذين يطلبون غايتي، ولعله يريد بها منزلته وقد يقصد بها أن يقول ما أكثر أولئك الذين تمنيهم أحلامهم بالوصول إلى ما وصلت إليه من المجد والسؤدد والرفعة، وقد يقصد بها أن يقول ما أكثر أولئك الذين تسول لهم أحلامهم أن يزحزحوني عن مكانتي العالية الشماء، وإن من يبغي من هؤلاء وأولئك شيئا من هذه أو تلك سيلقى الأمرين ولا يصل إلى بعض ما يريد (سيلقى دوين مكاني السبع الشداد) تعبير يدل على ما سيصيبه من الرهق والعنت في سبيل ما يحاول ثم يبوء آخر الأمر بالخسران والخذلان.

14 -سيكون مثله حينئذ كذلك الذي يؤجج في شعاع الشمس نارا، ويقدح في تلهبها زنادا، ولاحظ استخدام الفعل (أجج) ولاحظ ما أداة التضعيف من زيادة المعنى إن التضعيف في هذا الفعل يوحي بالافتعال والتكلف، ويدل على ما أصاب الفاعل من العنت من جراء افتعاله وتكلفه، ثم لاحظ دلالة استخدام المصدر (تلهب) كأنه يريد أن يقول إنني متوهج توهجا ذاتيا كما أن الشمس متلهبة تلهبا ذاتيا، ولقد لمح هذا المعنى البطليوسي فقال في شرحه (لا ذكر لأحد مع ذكري، ولا فضل إذا ذكر فضلي كما أن النار لا ضوء لها إذا أوقدت في شعاع الشمس) [1] .

15 -من أعجب العجب أن يطعن عدوى في علاى، وهو يعلم أن نعلى ليأنف أن يكون سيفا في يده، ولاحظ استخدام الفعل المصارع (يطعن) الذي يدل على الاستمرارية، ولاحظ استخدام لفظة (علاى)

(1) شرح سقط الزند: 2/ 566.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت