فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 248

5 -ثم يأتي البيت السادس فيذكر أبو العلاء أننا نلوم على غفلتها وسوء تدبيرها على حين أننا لا يجب أن نكلفها من البلاء ما لا تطيق، وأن نلتمس لها العذر لأنها تكابد وتجاهد في سبيل لقمة العيش، وتوفير راحة البال، وقد كان يكفيها أن تقوم بهذين الأمرين وحدهما دون سواهما.

6 -وأنى لهذه القلوب أن تحسن التفكير والتدبير، وأنت أيها الإنسان غافل عن تغذيتها بما يمكنها من أداء مهامها أرأيت إلى النار إنك إن غفلت عنها ولم تطعمها خبت، وانطفأت وصارت عما قريب رمادا، وكذلك القلوب إذ لم تتعهدها بالضرام خبت حرارتها، وانطفأ وهجها، وصارت بليدة أو كالبليدة وأشبهت النار التي فقدت الوقود فصارت رمادا.

7 -وبدءا من البيت الثامن يكشف أبو العلاء عن موقفه من الناس، ويتحدث عن نفسه حديثا كله استعلاء ونرجسية فهو يأمر مخاطبه بأن يظن بكل الإخوان أي الأصحاب والأصدقاء والناس شرا، وينهاه عن أن يأمن أحدًا على سر، وذلك لِمَا جلبوا عليه من الخديعة والغدر، والخيانه والكذب والتزلف، والملق فإنه لا يكاد يسلم من شرورهم أحد حتى الكائنات العلوية التي هي أبعد شيء عن أيديهم، وعن تدبيرهم ومكرهم وكيدهم.

8 -فلو علمت الجوزاء وهي أبعد نجم في السماء في اعتقاد العرب من أمر بني البشر وخداعهم ومكرهم وخيانتهم ما أعلم لما ظهرت في كبد السماء خوفا على نفسها من شرورهم وآثامهم، وفي هذا إيغال في التشاؤم من أبي العلاء ... بلا مراء.

9 -ومن ثم فقد أخذت نفسي بأمر وهو أن أتجنب الأنام لذا لا ترى لي صديقا أو أخا، ولا ترى لي عدوا أشغل نفسي بأمره.

10 -ولقد كنت إنسانا قويا أغالب الأيام وأصنع ما أشاء إلى أن وصل به الأمر إلى ما أنا عليه فصرت لا أملك فؤادي وهو بين جنبي، وصرت أروم صرفه إلى ما أريد فيتعذر ذلك عليّ فكيف أطمع أن يجري الزمان على اعتقادي، وأحاول فيه أن يبلغني بغيتي ومرادي، لذا تراني أسلمت زمامي للزمان، وجريت معه كما أراد، وكنت قديما أجزع من الخطوب والشرور فصرت الآن كأن بيني وبينها صلة وقربى إذ كيف أستطيع أن أنكرها، ومنبتها فؤادي وهل تستطيع الأرض أن تتنكر للقتاد؟ إن الاستفهام هنا أؤنكرها غرضه التوبيخ والتقريع، فهو يوبخ نفسه ويقرعها على ما كان منها إذ كانت تأنف من الشرور وترفضها وتأباها فهو يقول إن الشرور شيء كامن في النفس الإنسانية، فلقد جلب الإنسان على الشرف في نظر أبي العلاء فكيف ينكر الإنسان جبلته وخلقته؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت