فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 248

الذي لا يبصر إن الرؤية هنا أشمل من الرؤية البصرية إنها التجربة الواسعة والخبرة الحياتية العريضة يصوغها في ثوب شعري فلسفي، إنه يرى من خبرته أن العنقاء وهي طائر أسطوري لا وجود له كانت تزعم العرب أن لها قدرة على اختطاف أي شيء والذهاب به بعيدًا بحيث لا يستطيع أحد أن يخلص من براثنها صيدا اصطادته تعلو على أن تصادا، إن أبا العلاء هنا يوظف معارفه وما تناهى إلى سمعه من أساطير العرب توظيفا حياتيا، فلما كانت العنقاء تعلو على أن تصاد كما يقول أبو العلاء، وهو هنا يضربها مثلا للشيء الصعب، أو الأمر المستحيل فيجب عليك أيها الإنسان أن تكفكف من غلواء نفسك، وأن تتطامن ولا تركب رأسك، ولا يذهبن بك الغرور مذاهب الغواية والضلال فتعاند من لا تقوى على معاندته، وهل أحد يستطيع أن يقوى على رد ما أخذت العنقاء، ربما كانت العنقاء هنا هي الأيام في شدتها وقسوتها وعنفها، ولاحظ التعبير بالفعل (تطيق) إن أبا العلاء لم يقل (فعاند من تستطيع له عنادا) وإنما قال من تطيق له عنادا، والفعل أطاق له دلالة في اللغة وهي تحمل الأمر بمشقة بالغة وعسر شديد، وفي هذا دلالة على أن أبا العلاء يريد أن يحتفظ لمن يخاطبه بشيء من كبرياء نفسه وعزتها.

2 -وكأنى بأبي العلاء يخشى أن يفهم فاهم من البيت الأول عكس ما يقصد، إن أبا العلاء يخشى أن يفهم فاهم أن الدهر قد نال منه فهو يدعو إلى الخنوع والخضوع والمذلة فقال في البيت الثاني مباشرة (وما نهنهت في طلب) أي وما قصرت في أمر من الأمور التي أريدها أو أطلبها (ولكن هي الأيام لا تعطي قيادا) ثم يأتي بالحرف (لكن) الذي يفيد الاستدراك (هي الأيام) أي هذه طبيعة الحياة، (لا تعطى قيادا) أي لا تعطي زمامها لأحد، ولا تمكن أحدا مهما كان من قيادتها وتصريفها حسبما يريد.

3 -ثم يتوجه بحديثه إلى المخاطب فينتقل بذلك من حديث النفس إلى حديث الآخر فيقول له (فلا تلم السوابق والمطايا) والسوابق هي الخيول، والمطايا هي الإبل، والخيول كانت عدة الحرب في الزمن القديم، والمطايا كانت سفن الصحراء يجتاز العرب عليها فيافيهم، وهو هنا ينهي صاحبه أو مخاطبه عن أن يعود باللائمة على إبله إذا لم تَسْتطيع أن تبلغه ما يريد، وكأنى به ... يقول له: كن واثقا من نفسك ومن وسائلك في تحقيق الفوز واظفر، فما كان التقصير يوما عن تحصيل المراد بسبب الوسائل، وإنما التقصير عن تحصيل المراد إنما سببه معاندة الحياة، ومغالبة القدر للإنسان.

4 -ثم يتحدث في البيتين الرابع والخامس عن السبب الذي من أجله نهى صاحبه عن لوم وسائله فقال لعل هذه السوابق والمطايا التي تعود عليها باللائمة تكون سببا من أسباب نصرك وظفرك في قابل الأيام حينما يحالفك التوفيق، ويوافقك القدر فتشن بها غارة ناجحة على قوم من أعدائك فتصيب منهم ما تريد، أو تدفع بها بأس قوم يريدون الإغارة عليك فتطردهم وتجنب نفسك وقومك شرورهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت