شروط الفصاحة في اللفظة المفردة
1 -أن تتألف اللفظة من حروف متباعدة المخارج، وعليه معظم ألفاظ اللغة وما قُبح منها يغلب عليه قرب المخارج، وبخاصة إذا تكونت من حروف حلقية، فهي عندئذ تزداد قبحا لصعوبة النطق بها مثل كلمة"الهعْخُع".
2 -أن تتآلف الكلمة من حروف تعذب في تآلفها وإن تباعدت مخارجها، وتتفاوت الألفاظ المتباعدة المخارج في الحسن ودرجته تبعا لجمال التناسق والتآلف في أصوات الحروف، بما يعذب وقعه في الأذن، فأنت تجد لكلمة فنن أو غصن عذوبة في اللسان، وجمالا على الآذان أحسن من كلمة"عسلوج"وهي بمعنى غصن، وتتدرج الألفاظ الثلاثة في الفصاحة، فأفصحها وأرقها لفظة فنن، ويليها غصن، ثم تأتي عسلوج قبيحة غير فصيحة مع تباعد مخارج حروفها. وقال ابن سنان الخفاجي:"وأن أغصانُ البانِ أحسنُ من عساليِج الشَّواحط في السمع".
ومما يختار من القول مما تقع فيه اللفظة موقعا حسنا مستعذبا قول الوزير المغربي في بعض رسائله: (ذَرعُوا هشِيمًا تأنَّفت روضُه) ، فإن تأنفت كلمة ... لا خَفاءَ بحُسْنها لوقوعها الموقع الذي ذكرته، وكذلك قول أبي الطيب المتنبي:
إِذا سَارتْ الأَحْداجُ فوق نباتِه ... تفاوحَ مسكُ الغَانيات ورنده
فإن تفاوح كلمة في غاية الحسن. وعلى عكس ذلك، منها ما يقبح مثل قول أبي الطيب أيضا:
مُبَاركُ الاسْمِ أَغرُّ اللَّقَبْ ... كَريمُ الجِرَشَّى شَرِيفُ النَّسَبْ
فإنك تجد في"الجِرَشَّي"تأليفّا يكرَهُهُ السَّمعُ وينبو عنه.
3 -عدم الغرابة أو عدم الحوشيّة والألفة، فالكلمةُ المألوفةُ الوقع في السمع، والمعروفة المعنى، فصيحةٌ لأنها تكشِفُ عن معناها دون تعب أو بحث أو تفكير أو سؤال، والغريبة والحوشية عكس ذلك، وقد تكون الكلمة حسنة التأليف غريبة المعنى، فلا تكتمل لها شروط الفصاحة، ومنه استخدام امريء القيس لكلمة"مرسن"في معنى الأنف في قوله: وفاحِمًا ومَرَسنًا مُسرَّجَا، يريد شعْرًا أسود وأنفا محددا.
وكقول المتنبي في التراب"التوراب"، وهي لغة حوشية متروكة في"التراب"قال:"ويفطمه التوراب"
4 -أن تكون الكلمةُ غيرَ ساقِطةٍ عامية كما قال أبو عثمان أيضا، ومثال الكلمة العامية قول أبي تمام:
جُلّيتِ والموتُ مُبْدٍ حُرَّ صفحَتِهِ ... وقد تَفَرْ عَن في أفْعالِه الأجَلُ