فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 248

2 -من كتاب العمدة لابن رشيق

باب الاستعارة

منزله الاستعارة: الاستعارة أفضل المجاز، وأول أبواب البديع، وليس في حلي الشعر أعجب منها وهي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها ونزلت موضعها والناس مختلفون فيها: منهم من يستعير للشيء ما ليس منه ولا إليه كقول لبيد:

وغداه ريح قد وزعت وقره ... إذا أصبحت بيد الشمال زمامها

فاستعار لريح الشمال يدا للغداة زماما وجعل زمام الغداه ليد الشمال إذ كانت الغالبة عليها وليست اليد من الشمال ولا الزمام من الغداة ومنهم من يخرجها مخرج التشبيهه كما قال ذو الرمه:

أقامت به حتى ذوي الود والتوى ... وساق الثريا في ملائته الفجر

فاستعار للفجر ملاءة واخرج لفظة مخرج التشبيه وكان أبو عمر بن العلا لا يرى لأحد مثل هذه العبارة ويقول ألا ترى كيف صير له للاءة، ولا ملاءه له وإنما الاستعارة له هذه اللفظة؟ وبعض المعقبين يرى ما كان من نوع بيت ذي الرمة ناقص الاستعارة، إذ كان محمولا على التشبيه ويفضل عليه ما كان من نوع لبيد، وهذا عندي خطأ لأنهم إنما يستحسنون الاستعارة القريبة، وعلى ذلك مضى جلة العلماء وبه أتت النصوص عنهم إذا استعير للشيء ما يقرب منه ويليق به كان أولى مما ليس منه في شيء ولو كان البعيد أحسن استعارة من القريب لما استهجنوا قول أبي نواس:

من معيب الاستعارة:

بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح

فأي شيء أبعد استعارة من صوت المال؟ فكيف حتى بح من الشكوى والصياح مع ما أن له صوتا حين يوزن أن يوضع؟ ولم يرده أبي نواس فيما أقدر لأن معناه لا يتركب على لفظة إلا بعيدا وكذلك قول بشار:

وجذب رقاب الوصل أسياف هجرها ... وقدت لرجل البين نعليين من خدي

حدود مختلفة للاستعارة: قال القاضي الجرجاني: الاستعارة ما كفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها وملاكها بقرب التشبيه ومناسبة المستعار للمستعار له وامتاج اللفظ بالمعنى حتى لا يوجد بينهما منافرة ولا يتبين أحدهما أعراض عن الآخر وقال قوم آخرون منهم أبو محمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت