فهرس الكتاب
علم اللغة أولًا: نشأة اللغة ونظرياتها
في البداية فان محاولة البحث عن أصل اللغات هو من الشطط الذي لا فائدة منه وكل ما قدمه العلماء من تفسيرات لهذا الموضوع يقع تحت دائرة الظن الذي لا يثبت أمام المناقشة العلمية الهادئة. ويجدر بنا هنا أن نقدم النظريات التي ظهرت كمحاولة لتفسير نشأة اللغة:
1 -اللغة توقيفية"وحي الهام":هذه النظرية تنادي بأن اللغة هي وحي وإلهام من الله تعالى للإنسان وليس له دخل فيها وعلم الله تعالى الإنسان النطق بأسماء الأشياء، ويعتمد أصحاب هذه النظرية على عدد من النصوص الدينية ليعطوا لكلامهم نوعا من التسليم والإلزام وليحظروا على الفكر ويصادروه وفي النصوص ما جاء في سفر التكوين"الإصحاح الثاني"، وما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى في سورة البقرة: (وعلم آدم الأسماء، كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبائهم بأسمائهم قال ألم اقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) [1] .
المؤيدون:
ومن أصحاب هذا الرأي أفلاطون ومن تابعه من الرواقيين وأصحاب مدرسة الشذوذيين وخاصة لرئيس رأس المدرسة (120 ق. م) ، ومن علمائنا العرب مثل أبو على الفارسي (ت 356 هـ) الذي قال عن اللغة"هي من عند الله" [2] وقال بالرأي نفسه ابن فارس (ت 395) .
النقد:
ولكن هذه النظرية التي تفسر نشأة اللغة تفسيرا دينيا وتقرن بينها وبين نشأة الإنسان نفسه لا يمكن أن نسلم بها، لأن الاستشهاد بهذه النصوص الدينية ليس دليلا على صحة ما قالوه، وإضافة إلى ذلك فما الفائدة التي تعود على الإنسان الأول من تعلمه تلك اللغات جميعا وفي وقت واحد، وخاصة أن اللغة لا تورث وتنتهي بمجرد إنتهاء حياة من تعلمها، أما عن تفسير قوله تعالى: ... (وعلم آدم الأسماء كلها) فلعل ما قيل فيها أن الله تعالى قد أقدر الإنسان على وضع الأسماء للمسميات فالواضع لها الإنسان على الحقيقة.
2 -اللغة تواضع واصطلاح:
الرأي: ترى هذه النظرية أن للغة عرفية اصطلاحية تحكمها قوانين مطردة [3] .
(1) البقرة: 31 - 33.
(2) ينظر الخصائص لابن جني.
(3) لا توجد أي علاقة اشتراطية بين الألفاظ والأصوات (المسميات) والشيء المسمى، كما لا توجد أي حقيقة تؤيد أن هذا اللفظ بالذات يدل على حقيقة هذا الشيء.