فهرس الكتاب
غيرهم، وإنهم ينقبون عما وراء المدلولات ... سابحين في عالم من الخيال" [1] . الأمر أن هؤلاء المنكرين لهذه الظواهر قد خرجوا باللغة العربية عن كونها لغة طبيعية natural إلى كونها لغة فلسفية. ولعل أهم فارق بين اللغة الفلسفية واللغة الطبيعية هو أن الأولى"تسند اسمًا واحدًا لكل فكرة، وفكرة واحدة لكل اسم، في حين أننا نجد في اللغة الطبيعية - كما يلاحظ ويلكنز - فيضًا من المترادفات ونقصًا في الأسماء التامة للأشياء، واتجاهًا عامًا نحو المشترك اللفظي [2] . بل لقد استطاع هؤلاء أن يطبقوا على اللغة أحد قوانين الفكر الأساسية بأكثر مما استطاع المناطقة أنفسهم في هذه النقطة بصفة خاصة؛ ونعني بذلك مبدأ"الهوية"؛ فبمقتضى هذا المبدأ لابد أن يكون لكل لفظ معنى محدد بدقة لا يتغير، فلكل لفظ هويته الخاصة.
وإذا كان المناطقة يرون أن الألفاظ ليس يمكن أن تجعل مساوية للمعاني ومتعددة بتعددها؛ إذ كانت المعاني تكاد تكون غير متناهية، والألفاظ متناهية، فلو جعلت الألفاظ معادلة للمعاني لتعذر النطق بها أو الحفظ لها، ولذلك اضطر الواضع أن يضع الكلمة الواحدة دالة على معان كثيرة" [3] ، أقول: إذا كان المناطقة يرون ذلك فقد كان إنكار هذه الظواهر إذن رد فعل لهذا الرأي. وكان هذا الفريق من علماء العربية أراد أن يثبت قدرتها"
(1) - دلالة الألفاظ ص 215
وقارن رأي لاند برأي الفارسي الذي يقول"لأن كل معنى يختص بلفظ لا يشركه فيه لفظ آخر، فتنفصل المعاني بألفاظها ولا تلبس"انظر: ابن سيده: المخصص 13/ 258
(3) - يقول أرسطو: وذلك أنه أما الأسماء وأكثر الكلم فمحدودة، فأما الأمور فهي غير محدودة في العدد، فيجب ضرورة أن تكون الكلمة بعينها والاسم يدل على كثيرين"منطق أرسطو 3/ 743"