ولعل من أخطر الأفكار الرواقية حول نظرية العلة قولهم بأن هنالك عللًا خبيئة كامنة وراء الظواهر والموجودات لا ينبغي أن يؤدي عجزنا عن الوصول إليها إلى الطعن في مبدأ العلة من أساسه: يقول كريسبوس الرواقي"فهنالك علل خبيئة توجد بعيدة عن أنظارنا" [1] .
وما أشد مشابهة هذا القول لقول ابن جني في مجال علل النحو:"فإن أنت رأيت شيئًا من هذا النحو لا ينقاد لك فيما رسمناه، ولا يتابعك على ما أوردناه، فأحد أمرين: إما أن تكون لم تنعم النظر فيه فيقعد بك فكرك عنه، أو لأن لهذه اللغة أصولًا وأوائل قد تخفى عنا وتقصر أسبابها دوننا" [2] . ولكن ابن جني - انتماء منه لميتافيزيقيا الإسلام التي رفضت فكرتي الطبيعة واللوجوس - يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى هو مدبر هذا الكون وجاعل كل شيء لحكمة وغاية. وحيث إن اللغة هي أحد هذه الأشياء، فلابد أن يكون كل ما فيها لحكمه وغاية. ولذلك يقول ابن جني"فإن قلت: فهلا أجزت أيضًا أن يكون ما أوردته في هذا الموضع - أي العلل التي تحكم القواعد- شيئًا اتفق؟ وأمرًا وقع في صورة المقصود من غير أن يعتقد؟ وما الفرق؟ قيل: في هذا حكم بإبطال ما دلت الدلالة عليه من حكمة العرب التي تشهد بها العقول، وتتناصر إليها أغراض ذوي التحصيل، فما ورد على وجه يقبله القياس، وتقتاد إليه دواعي النظر والإنصاف حمل عليها - أي على القواعد المحكومة بالعلل - ونسبت الصنعة فيه إليها، وما تجاوز ذلك فخفي لم تؤس (توأس) "
(1) - طبيعيات الرواقيين .. ص 57
(2) - الخصائص 2/ 164