الصفحة 155 من 261

لا يختص شيئًا دون شيء، بل يشيع في الكل، ألا ترى أن"العشرة"ليست الأفراس فقط، بل تعد العشرة الأفراس وتعد غيرها" [1] ."

وبناء على هذا المفهوم فإنه لا فضل لأحد هذه الموجودات على موجود آخر في وصفه بالوجود في الزمان دون أن يعطى هذا الوصف للموجود الآخر. أما ما يستحق أن يتعين بالزمان فهو أفعال الموجودات (مفهوم الحركة عند أرسطو) ؛ لأن هذه الأفعال تمضى راتبة كما يمضي الزمان راتبًا، فالأفعال منها ما يتقدم وما يتأخر وكذلك الزمن" [2] . أما"المكان"فليس هناك فيه تقدم أو تأخر بل هو"أوعية"مختلفة لموجودات مختلفة، ويصح انتقال الموجود من مكان إلى آخر ويبقى المكان الأول ثابتًا. وهذا يذكرنا أيضًا بقول علي بن السمح:"إن المكان قد يخلو من شيء شيء من الأجسام؛ فإن المكان الذي فيه الهواء قد يكون فيه الماء" [3] ."

ولئن كانت تعليلات السيرافي التي ذكرناها حتى الآن تكشف عن تأثر العلة عنده بطرق الاستدلال المنطقي تارة، وبعناصر نظرية الحد المنطقي تارة أخرى، وبالطبيعيات الأرسطية والرواقية تارة ثالثة، إلا أننا نجد عنده نماذج أخرى من العلة ترتبط بأهم مفهوم للغة ساد بين نحاة هذا القرن؛ وأعنى به مفهوم حكمه اللغة. ولقد قلنا من قبل إن العلة عند السيرافي ترتبط بهذا المفهوم ارتباطًا وثيقًا؛ فكل ما وضع في اللغة إنما وضع لحكمه وغاية.

(1) - الطبيعة 1/ 438

(2) - ومن هنا نشأ بحث النحاة في رتبة الأفعال من حيث التقدم والتأخر، وقد عرضنا لذلك من قبل.

(3) - الطبيعة 1/ 306

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت