فهرس الكتاب
ولذلك فإن الدارس لقضية العلة عند السيرافي يجد نفسه - في كل مسألة يعرض لها - أمام هذا المعتقد الراسخ: إن اللغة نظام عقلي حكيم. ومن هنا فإن الصعوبة الوحيدة في تعليلات السيرافي إنما هي صعوبة اختبار النماذج التي تدل على هذا المعتقد الراسخ. فالشرح كله تعليلات لا يدري الدارس ماذا يأخذ منها وماذا يدع. ومع ذلك فإننا سنكتفي ببعض هذه النماذج التي ربما أعطت صورة واضحة لهذا النوع من التعليلات:
2 -يعلل السيرافي عدم دخول حروف الجر على"كيف"ودخولها على"أين"و"متى""فيقول:"إن (أين) لما كانت استفهاما عن الأمكنة نائبة عن اللفظ بها، وكنا متى ذكرنا الأمكنة جاز أن تدخل عليها الحروف فتقول (أمن السوق جئت أم من البيت؟) جاز أن ندخلها على ما قام مقام هذه الأشياء التي يجوز دخول الجر عليها ... وأما (كيف) فإنما هي مسألة عن الأحوال، والأحوال لا يجوز دخول الجر عليها في الاستفهام، ولا نقول (أمن صحيح أم من سقيم؟) ... فلم تدخل على (كيف) كما لم تدخل على ما ناب عنه (كيف) ". ولكن السؤال يبقى: وما هي الحكمة في عدم دخول الحروف على ما ناب عنه (كيف) ؟. والجواب:"إن (كيف) هو الاسم الذي بعده، و (أين) هو غير الاسم الذي بعده، وإنما هو مكانه". ثم يظهر سؤال آخر: ولم لا يكون الجواب في (كيف) إلا نكرة؟. والجواب: إن (كيف) - على ما بينا - هو الاسم الذي بعده، فلو جعلناه معرفة لكان للسائل إذا قال (كيف زيد؟) فقال المسئول (القائم أو الصحيح) ، كان قد أجابه عن إنسان بعينه لا عن حال، وإنما هو جواب"