الصفحة 160 من 261

وأهم ما يلاحظ في التعليلات القياسية عند الفارسي هو أنه قد اتجه بها اتجاهًا صوريًا واضحًا بحيث أجاز قياس ما لم تتكلم به العرب على ما تكلمت به اعتمادًا على الاتفاق الشكلي بين المقيس والمقيس عليه. وما يرويه تلميذه ابن جني عنه يوضح ذلك:"قال أبو على: لو شاء شاعر أو ساجع أو متسع أن يبني بإلحاق اللام اسمًا وفعلًا وصفة لجاز له ولكان ذلك من كلام العرب؛ وذلك نحو (خرجج أكرم من دخلل) ، و (ضربب زيد عمرًا) ، و (مررت برجل ضربب وكرمم) ونحو ذلك. قلت له: أترتجل اللغة ارتجالًا؟ قال: ليس بارتجال، لكنه مقيس على كلامهم فهو إذًا من كلامهم ... ألا ترى أنك تقول (طاب الخشكنانُ) فتجعله من كلام العرب وإن لم تكن العرب تكلمت به، فبرفعك إياه كرفعها ما صار لذلك محمولًا على كلامها ومنسوبًا إلى لغتها" [1] .

ولقد أدى الإسراف في هذه الأقيسة القائمة على علة التشابه بين الصيغ اللغوية إلى استنباط صيغ لم يتطرق إليها الاستعمال العربي، وذلك مثل القياس على وزن"فعَلعَل"من الضرب: ضرَبرَب، ومن القتل: فتَلتَل ... وهكذا و"العرب لم تنطق بواحد من هذه الحروف" [2] .

ولا شك أن هذا الإسراف قد تحول بهذه الأقيسة من هدفها التعليمي المباشر إلى اعتبارها دليلًا على التمكن في الارتياض الذهني، والتنافس العقلي الخالص، بعيدًا عن واقع الاستعمال اللغوي، فأشبهت بذلك القضايا الرياضية القائمة على الفروض التي لا صلة لها بالواقع الخارجي، ولا تستمد صدقها

(1) - الخصائص 1/ 359

(2) - السابق 1/ 360

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت