عن هذا الكتاب نستطيع استخلاص فكرة أساسية يقرها الفارابي حول هذه القضية، وذلك قبل أن نكمل بقية آرائه من خلال كتاب"الألفاظ المستعملة في المنطق" [1] .
يرى الفارابي أن"صناعة النحو التي تشتمل على أصناف الألفاظ الدالة"لابد أن تكون مقدمة أو مدخلًا"في الوقوف والتنبيه على أوائل هذه الصناعة" (يقصد صناعة المنطق) . بل يوجب الفارابي على المنطقي أن"يتولى بحسن تعديد أصناف الألفاظ التي من عادة أهل اللسان الذي به يدل علي ما تشتمل عليه هذه الصناعة، إذ اتفق أن لم يكن لأهل ذلك اللسان صناعة تعدد فيها أصناف الألفاظ التي هي في لغتهم" [2] .
الفارابي إذًا يرى أن صناعة النحو مدخل إلى صناعة المنطق؛ ولذلك فهو في كتاب"الألفاظ المستعملة في المنطق"يعقد بحوثًا لغوية دقيقة؛ فيتحدث عن الحروف مثلًا فيقول:"وهذه الحروف هي أيضًا أصناف كثيرة، غير أن العادة لم تجر من أصحاب علم النحو العربي إلى زماننا هذا بأن يفرد لكل صنف منها اسم يخصه، فينبغي أن نستعمل في تعديد أصنافها الأسامي التي تأدت إلينا عن أهل العلم بالنحو من أهل اللسان اليوناني؛ فإنهم أفردوا كل صنف منها باسم خاص؛ فصنف منها يسمونه الخوالف، ... الواصلات، .. الحواشي، ... الروابط. وهذه الحروف منها ما قد يقرن بالأسماء، ومنها ما قد يقرن بالكلم [=الأفعال] " [3] .
(1) 43 - وللفارابي آراء أخرى حول القضية نفسها في"إحصاء العلوم"فام جيرهارد آندرس بتحليلها في بحثه المذكور من قبل.
(2) 44 - الفارابي: الألفاظ المستعملة ... تحقيق الدكتور محسن مهدي ص 42. والفارابي هنا متأثر بمذهب الإسكندر الإفروديسي وهو أحد المشائين الذين حاولوا أن"يثبتوا أن البحوث اللغوية ليست إلا مجرد تمهيد للمنطق"- انظر: د. إبراهيم مدكور في مقدمته لتحقيق"المدخل"لابن سينا ص 60.
(3) 45 - السابق، ص 41.