الصفحة 19 من 261

ولمثل هذا النص أهمية خاصة؛ إذ قد أثر تأثيرًا واضحًا في تقسيمات النحاة للحروف ـ المختص منها وغير المختص ـ بل أعتقد أنه أربكهم في اعتبار بعض الأقسام أسماء تارة، وحروفًا تارة أخري [1] ، وأفعالًا تارة ثالثة [2] . ولقد كان المناطقة واضحين في قولهم:"لا ينبغي أن يستنكر علينا متى استعملنا كثيرًا من الألفاظ المشهورة عند الجمهور دالة علي معان غير المعاني التي تدل عليها تلك الألفاظ عند النحويين" [3] . ويعطون لذلك مثالًا الفعل (ليس) ؛ يقول الفارابي"وليس يخفى علينا قولنا (ليس) يرتبه كثير من أصحاب النحو في الكلم [=الأفعال] لا في الحروف، وكذلك كثير مما سنعده في الحروف، يرتبه كثير من النحويين لا في الحروف ولكن إما في الاسم وإما في الكلم" [4] .

ويرجع الفارابي في نهاية كتابه إلى مقارنة بين الصناعتين فيقرر أن المنطق"آلة يقوى بها الإنسان على معرفة الموجودات، كما أن صناعة النحو تشتمل على الألفاظ، والألفاظ أحد الموجودات التي يمكن أن تعقل، لكن صناعة النحو ليست تنظر فيها على أنها أحد الأشياء المعقولة، وإلا فقد كانت تكون صناعة النحو، وبالجملة صناعة علم اللغة، تشتمل على المعاني المعقولة، وليست"

(1) 46 - انظر علي سبيل المثال:"باب ذكر ما يستعمل مرة حرف جر ومرة غير حرف"في: ابن السراج: الموجز في النحو، ص 57، وانظر له أيضًا:"أصول النحو"1/ 532 وما بعدها، وانظر: شرح السيرافي 1/ 92، وانظر"أل"التعريف بمعنى اسم الموصول في الجمل للزجاجي ص 25، والإيضاح للفارسي 1/ 54، والصاحبي لابن فارس ص 101، والإنصاف لابن الأنباري 1/ 316. وقد وضعها الفارابي في الواصلات ص 44. وانظر الخلاف حول"رب"في أصول النحو 1/ 510، والإنصاف 2/ 832. ويرى ابن جني أن الأسماء المضمرة في حكم الحروف: انظر المنصف 1/ 110. ويلاحظ الدارس كذلك أن القرن الرابع شهد اهتمامًا بالتأليف في الحروف ودلالاتها وأقسامها. انظر: كتاب اللامات للزجاجي، ومنازل الحروف للرماني، وانظر الصاحبي لابن فارس. كما ينسب إلى الزجاج كتاب"حروف المعاني": انظر: بروكلمان 2/ 173.

(2) 47 - انظر الخلاف حول"ليس"في: الصاحبي 170، والإنصاف 1/ 161.

(3) 48 - الألفاظ المستعملة ... ص 44.

(4) 49 - السابق ص 45 - 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت