كذلك. والألفاظ الدالة وإن كانت إحدى الموجودات التي يمكن أن تعقل فإن صناعة النحو ليست تعرفها على أنها معان معقولة، لكن على أنها دالة على المعاني المعقولة ..." [1] ."
والفارابي بذلك يفرق بين نوعين من (المعنى) يمكن أن نطلق على النوع الأول منهما أنه الحركة الداخلية للعقل أو الفكر، أما الثاني فهو دلالة الكلام المنطوق [2] ، ويختص المنطق بالنوع الأول، أما النحو فيختص بالمعنى الثاني.
لقد مهدت مثل هذه النصوص وغيرها لظهور محاولات من جانب اللغويين العرب لإقامة فلسفة للغة تهتم بالمعنى، وتركن إلى العقل، حتى سادت في نطاق الفكر اللغوي آنذاك نظرية أن"المعاني أشرف من الألفاظ" [3] . ويقول ابن جني"فلا ترين أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ، بل هي عندنا منهم خدمة للمعاني ... ونظير ذلك إصلاح الوعاء، وإنما المبغي بذلك منه الاحتياط للموعى عليه" [4] . كما يقول"إن الألفاظ خدم للمعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم" [5] . ولقد دفع المناطقة النحاة إلى ذلك دفعًا؛ يقول أبو سليمان المنطقي:"كل من غلب عليه حفظ اللفظ وتصريفه وأمثلته وأشكاله بعد من معاني اللفظ، والمعاني صوغ العقل، واللفظ صوغ اللسان، ومن"
(1) 50 - الألفاظ المستعملة ... ص 107.
(2) 51 - ترجع هذه التفرقة إلى الرواقيين. انظر:
(3) 52 - انظر ما يقوله إخوان الصفا، وهم من رجال القرن الرابع:"والمعاني هي الأصول وهي الاعتقاد الذي أول ما يتصور في النفس، والألفاظ هيولى لها، والمعاني كالنفوس والألفاظ كالأجسام، والمعاني كالأرواح والحروف كالأبدان"رسائل إخوان الصفا مجلد 3/ 122.
(4) 53 - الخصائص 1/ 217.
(5) 54 - السابق 1/ 220.