ومسألة مراتب الاسم والفعل والحرف من حيث التقدم والتأخر مسألة تكاد تشغل جميع النحاة في هذا العصر من ذوى الاتجاه المنطقي. وليس من العسير أن نكشف عن مصدر هذه المسألة. فقد أشار أرسطو في"ما بعد الطبيعة"- عند حديثه عن ترتيب الموجودات - إلى المتقدم بالزمان، والمتقدم بالمرتبة، وبالطبع، وبالحركة، وبالقوة، وبالذات [1] .
ولقد تأثر النحاة اليونان بهذه الفكرة الأرسطية؛ فتحدثوا عن أسبقية الاسم على سائر أجزاء الكلام، وكان من براهينهم على هذه المقولة [2] :
1 -أن الاسم يشير إلى الجوهر، في حين أن الفعل يشير إلى العرض، والجوهر أسبق من العرض.
2 -أن الأسماء تشير إلى وجود الأشياء، في حين أن الأفعال تشير إلى أحداث الأشياء وتغيراتها، والشخص الفاعل أسبق من فعله.
3 -إذا فقد الفاعل فقد الفعل، والعكس غير صحيح، والفعل يستلزم فاعلًا، والعكس غير صحيح.
ولا شك أن البرهان الثاني - من بين هذه البراهين - يلتقي مع ما ذكرناه منذ قليل في استدلال الزجاجي. ومن الواضح كذلك أن الزجاجي - في الاستدلال السابق -
(1) - انظر مصطلح prior في الكتاب الخامس من Metaphysic , P.539 وانظر مزيدا ًمن التفصيل لهذا الموضوع في كتاب: الهداية لابن سينا وهوامش محققه الدكتور محمد عبده ص 239 وما بعدها.