يرد مغالطة تقوم على الخلط بين المتقدم بالزمان والمتقدم بالعلة؛ فالنحاة عندما يقولون إن الاسم أسبق في المرتبة والتقدم إنما يعنون بذلك تقدمه بالزمان، أما الذين يريدون المغالطة فيقولون بتقديم الحرف بالعلية لأنه يؤثر في الأسماء والأفعال.
وعلى أية حال فإن انشغال النحاة بهذه الفكرة إنما هو انعكاس لمفهوم اللغة عندهم. فهي وسيلة لتصوير الفكر وإخراج للمعقولات الذهنية. وهذا الفكر إنما هو محاكاة للموجودات الخارجية ومحاكاة للطبيعة. فلا بد إذن أن تترتب اللغة وفق ترتيب هذه الطبيعة. ولذلك فإن النحاة لم يقفوا عند مراتب هذه الأنواع الثلاثة، بل بحثوا أيضًا في مراتب الأفعال [1] ، وفي الإعراب والكلام أيهما أسبق [2] ، وقالوا إن اسم الذات أقدم من اسم الحدث [3] ، وتحدثوا عن حركه الحرف: أهي قبله أو معه أو بعده [4] .
ومن النصوص المهمة التي توضح مصدر الزجاجي في بعض استدلالاته ذلك النص الذي يستدل فيه على صحة القسمة الثلاثية لأنواع الكلم، وفيه يقدم الزجاجي تصورًا للعلاقة بين اللغة والفكر، وهو تصور وثيق الصلة بما رآه المناطقة في هذه القضية.
يقول الزجاجي"إنما جعل الكلام ليعبر به العباد عما هجس في نفوسهم، وخاطب به بعضهم بعضًا بما في ضمائرهم مما لا يوقف عليه بإشارة ولا إيماء ولا رمز بحاجب ولا حيلة من الحيل. فإذا كان هذا معقولًا ظاهرًا غير مدفوع"
(1) - لقد أشرنا إلى ذلك من قبل
(2) - انظر: الإيضاح ص 67.
(3) - انظر: شرح السيرافي 1/ 5.
(4) - انظر: الخصائص 2/ 322. وسر صناعه الإعراب. ص 32.