استطاع السيرافي من خلال منهج الجدل أن يقيم شكلًا من الاستدلال النحوي يستقصي كل الفروض الممكنة حول المسألة التي يتناولها. لقد انعكست في هذا الاستدلال بوضوح تلك الحركة الذاتية الخالصة للعقل - وقد أشرنا إليها من قبل - إلى الحد الذي وصل بها لا إلى بحث لغة الاستعمال العربي، بل إلى بحث لغة واضعي قواعد هذا الاستعمال أيضًا. ولعل فكره"الشرح"نفسها - أي شرح لغة سيبويه - خير دليل على ذلك.
ولقد كان من الطبيعي - في إطار هذا الاستدلال - أن تتعدد البراهين بكل ما يمكن أن يثمره الجهد التحليلي لأي مسألة يعرض لها السيرافي.:"فإن سأل سائل فقال: ما الدليل على أن الأفعال مأخوذة من المصادر؟ قيل له: في ذلك ثلاثة أوجه ..." [1] ، و"إن سأل فقال: لم لم يكن في الأفعال المضارعة جر فإن في ذلك أجوبة منها ..." [2] . وتصل هذه الأجوبة إلى خمسة وجوه."، و"إن قال قائل: فلم دخلت النون في تثنية ذا، فإن في ذلك جوابين"... [3] وهكذا."
لقد كان السيرافي يعتقد أن المعرفة النحوية يمكن أن تنتقل من ذهن المعلم إلى ذهن التلميذ عن طريق هذا المنهج الاستدلالي الجدلي. فالجدل - كما قال المناطقة هو"الارتياض والتخرج في وجود قياس كل واحد من المتناقضين" [4] . وإذا كنا قد رأينا السيرافي يأتي بخمسة عشر وجهًا لجملة
(1) - الشرح 1/ 9.
(2) - الشرح 1/ 38.
(3) - السابق 1/ 58.
(4) - كتاب الحروف. ص 223.