يضع يده على المنهج الحقيقي لدراسة هذه القضية، فهو يتتبع بإيجاز شديد المعطيات التاريخية ولا يخلص منها إلى شيء محدد واضح، ومن ثم يتجه إلى مقارنة نصية بين أرسطو والنحاة. ومع التقدير الكامل لجهد الأستاذ المؤلف فإنه تبقى نقطة الخلاف الأساسية بين ما تطرحه هذه الدراسة وما يطرحه الفصل الذي عقده الدكتور الراجحي في كتابه؛ وذلك حول مسار التأثير الخارجي في نشأة النحو العربي.
وإذا كان هذا الذي ذكرناه يعطي صورة للدراسات العربية فإنه ينبغي أيضًا أن نشير إلي جهود بعض المستشرقين في هذه القضية.
ولعل الفصل الذي عقده المستشرق الألماني"مركس"في كتابه"تاريخ الصناعة النحوية عند السريان" [1] يعد من أقدم البحوث الاستشراقية وأهمها. والمنطلق الأساسي الذي يحدد رأي مركس في هذا الموضوع هو"أن الدراسة النحوية عند العرب قد أخذت المفاهيم العامة كالإعراب والجنس والظرف والحال والمفعول والفاعل والفعل عن الفلسفة اليونانية وليس النحو اليوناني" [2] . ويرى مركس أن النحاة العرب قد تأثروا بالفلسفة اليونانية في عهد كسرى أنو شروان (ت 570 م) بعد أن انتقلت إليهم مدرسة الرها السريانية سنة 482 م [3] . والحقيقة أن فرستيغ قدم تحليلًا نقديًا موسعًا لآراء مركس هذه بناء على مقارنات نصية، وإن كان -بدوره- قد أرجع مصدر التأثير في المرحلة المبكرة من النحو العربي إلى فكرة الاتصال الحي المباشر مع النحو اليوناني، وهذا ما قدمنا تحليلًا نقديًا له في ترجمتنا لفصول من كتاب فرستيغ.
وقد أعاد نشر هذا الفصل في نشرة المعهد المصري سنة 1891 م.