في نحاة القرن الرابع -وهو موضوع دراستنا تلك ـ لم يحظ بالرعاية الواجبة في أي من الدراسات السابقة.
رابعًا: إطلالة في سياق التفاعل الحضاري:
إذا كنا قد أشرنا إلى المباحث اللغوية التي تتضمنها أجزاء الأورجانون؛ فإن قضية اتصال رواد النحو العربي بهذه الأجزاء المنطقية أصبحت مطروحة لإثبات تأثرهم بمباحثها اللغوية تارة، ولنفي ذلك تارة أخرى.
وتشير بعض الروايات في مصادر التراث العربي إلى علاقة الخليل بن أحمد (ت 170 هـ) باثنين كان لهما خطر كبير في اتجاه الثقافة الإسلامية: أولهما: عبد الله بن المقفع (ت 139 هـ) [1] . وسيأتي الكلام عنه بعد قليل. وثانيهما: حنين بن إسحق (ت 264 هـ) ، ولقد ثبت عدم اتصال الخليل بن أحمد بهذا الأخير [2] .
أما ابن المقفع فإن هناك روايات أخرى تشير إلى أنه قام بترجمة أجزاء من المنطق [3] . والحقيقة أن الغموض يشوب دور ابن المقفع في ترجمة المنطق إلى العربية، بل لقد نفى بول كراوس أن يكون عبد الله بن المقفع هو الذي قام بترجمة كتب أرسطو الثلاثة: المقولات والعبارة
(1) 109 - الزبيدي: طبقات النحويين واللغويين. ص 45.
(2) 110 - كان للمستشرقين فضل التنبيه إلي ذلك منذ سنة 1926. فانظر آراءهم في:
أما في الدراسات العربية فإن الفضل في ذلك يرجع إلي الأستاذ فؤاد سيد محقق كتاب"طبقات الأطباء والحكماء"لابن جلجل الأندلسي (ت 337 هـ) . ويرى الدكتور علي أبو المكارم في كتابه"تقويم الفكر النحوي"ص 72 وما بعدها أن أقدم من زعم صلة الخليل بحنين هو صاعد الأندلسي (المتوقي 462 هـ) في كتابه"طبقات الأمم". ولقد أشار الأستاذ فؤاد سيد إلي أن ابن جلجل هو أقدم من قال بذلك في كتابه المذكور ص 68.
(3) 111 - انظر في ذلك ما يذكره الجاحظ في الحيوان 1/ 175، ابن النديم في الفهرست ص 351، الخوارزمي في"مفاتيح العلوم"ص 86، وابن أبي أصيبعة في"عيون الأنباء ... ص 117."