يترتب على ذلك أن نشأة النحو العربي قد تأثرت بالمنطق بوجوده على الأقل في المناخ الذي كان يحيط بالنحاة في هذه الفترة؟ إن بعض الدارسين يميل إلى إقرار ذلك، في حين أن بعضهم ينفيه.
ويكاد يكون البحث في حقائق هذه الفترة المبكرة من نشوء النحو العربي أمرًا من أعقد ما يواجه الدارس في هذا العلم، فهي فترة تفتقد وثائقها بدءًا من أبي الأسود الدؤلي (ت 69 هـ) حتى ظهور كتاب سيبويه المؤلف فيما بعد 160 هـ [1] ، وهي فترة تمتد إلى ما يقرب من قرن كامل. وإذا أضفنا إلى ذلك عدم حصولنا على وثائق الترجمة الأولى للمنطق أو لشروحه، فإن الدارس يواجه صعوبة بالغة.
وأستطيع أن أعطي مثالًا واضحًا في دلالته على مدى الصعوبة والغموض، بل التعقيد في دراسة أرسطو عند العرب في مرحلته الأولى بصفة خاصة، وأعني بذلك دور جابر بن حيان في نقل التراث المنطقي والفلسفي. فابن النديم ينسب إلى جابر قوله"ثم ألفت كتب المنطق على رأي أرسطاليس ... ثم ألفت بعد ذلك خمسمائة كتاب نقضًا على الفلاسفة" [2] . ولو صح هذا القول، وصح كذلك ما يزعمه حاجي خليفة [3] ـ يؤيده في ذلك بعض الدارسين [4] ، ويخالفه بعضهم [5] ـ من أن
(1) 125 - انظر مقدمة هارون لكتاب سيبويه ص 34.
(2) 126 - الفهرست ص 357.
(3) 127 - كشف الظنون 2/ 1430. ولكنه يذكر في موضع آخر أنه توفي سنة 260، انظر 2/ 1415.
(4) 128 - د. جلال عبد الحميد موسى: منهج البحث العلمي عند العرب. ص 22. وانظر هامش ص 118.
129 -د. النشار: مناهج البحث ... ص 359. وهو يرى أن التحليل الداخلي لكتابات جابر يؤكد أنها كتبت في أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع. وانظر: د. زكي نجيب محمود: جابر بن حيان. ص 17. ويرى أنه عاش خلال النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي (الثاني الهجري) والجزء الأول من القرن التاسع (الثالث الهجري) . ويذكر الكتبي في: فوات الوفيات أن وفاة جابر كانت في حدود التسعين والمائة. ص 275.