جابر بن حيان قد توفي 160 هـ، أقول: لو صح ذلك لتغير وجه التأريخ لأرسطو عند العرب. فالملاحظ أن كتابات جابر قد بلغت درجة عالية من الدقة في المصطلح، وفي طريقة العرض للفلسفة اليونانية بما يشير إلى أنه لابد أن تكون هناك مرحلة من الجهد الطويل قد سبقت هذه الكتابات ومهدت لها، وهو ما نفتقد الدليل عليه حتى الآن.
ويهمنا هنا أن نشير إلى الجوانب اللغوية من كتابات جابر، وفي حالة ثبوت أي من الآراء السابقة حول وفاته فإننا نؤكد أنه أول من حاول البحث في اللغة من منطلقات فلسفية واضحة، بل أول من عني بوضع الحدود على شرائطها المنطقية. ويكفي أن أذكر تعريفه للحروف (ويقصد بها الألفاظ) والمعاني:"وإن حد الحروف أنها الأشكال الدالة بالمواضعة على الأصوات المقطعة تقطيعًا يدل بنظمه على المعاني بالمواطأة عليها ... وإن حد المعاني أنها الصور المقصود بالحروف إلى الدلالة عليها" [1] . وهو هنا يثير قضية"المواضعة"أو"المواطأة"، تلك القضية التي ستثير جدلًا كثيرًا لدى المتكلمين والأصوليين واللغويين -وبخاصة في القرن الرابع- ما بين القول بالتوقيف والقول بالمواضعة. وإذا اعتمدنا على ما يقوله ابن جني من أن الأخفش كان يقول بالرأيين [2] فإن ذلك يعني أن هذه القضية الفلسفية قد طرحت في الفكر النحوي في وقت معاصر لجابر.
وعلى أية حال فإننا لا نرى تشابهًا كثيرًا بين كتابات جابر والمؤلفات النحوية في مرحلة تأسيس النحو العربي، اللهم إلا إذا نظرنا إلى هذا التشابه بين ما يقوله جابر"فنحن لا نقدر أن نتكلم بحرف واحد حتى نضيفه إلى حرف آخر" [3] وما يقوله الخليل فيما يرويه عنه سيبويه:
(1) 130 - جابر بن حيان: كتاب الحدود. ضمن مختار رسائل جابر بن حيان. تحقيق: بول كراوس ص 109. وللمزيد من التفصيل حول الآراء اللغوية لجابر انظر الفصل الرابع من دراسة الدكتور زكي نجيب محمود المشار إليها.
(2) 131 - ابن جني: الخصائص 1/ 41.
(3) 132 - جابر بن حيان: كتاب الحاصل. ضمن مختار .... ص 196.