"قال الخليل يومًا وسأل أصحابه: كيف تقولون إذا أردتم أن تلفظوا بالكاف التي في (لك) ... والباء التي في (ضرب) ؟ فقيل له نقول: باء كاف. فقال: إنما جئتم بالاسم ولم تلفظوا بالحرف، وقال: أقول: كه وبه فقلنا: لم ألحقت الهاء؟ فقال: رأيتهم قالوا: عه، فألحقوا هاء حتى صيروها يستطاع الكلام بها؛ لأنه لا يلفظ بحرف" [1] . والغريب أن هذا التفريق الذي يصطنعه الخليل كان قد سبق به النحاة اليونان من قبل عندما قالوا إن للحرف ثلاثة جوانب: شكله المكتوب، واسم الحرف (alpha مثلًا) والقيمة ـ أو القيم النطقية لهذا الحرف" [2] ."
وكذلك تحدث جابر عن ظاهرتي الترادف والمشترك اللفظي [3] في اللغة، وهو ما نجده في كتاب سيبويه تحت باب اللفظ للمعاني.
وإضافة إلى كل ما تقدم فإننا نعتقد أن هذه القضية ينبغي أن تدرس على ضوء الظروف الثقافية التي أحاطت بالمجتمع العربي آنذاك، أعني على ضوء الثقافات المجاورة التي وضع الفتح الإسلامي بداية التفاعل معها.
على أن الحقيقة أنه مهما يكن من أمر بدء ترجمة المنطق الأرسطي في مرحلة مبكرة فإن هذه الترجمة لم تبلغ درجة من الذيوع والانتشار بحيث يمكن أن يقوم على أساس من مضامينها - أو بالأصح على أجزائها اللغوية المتناثرة في جميع الأورجانون- علم متكامل مثلما قام النحو العربي. كما أنه ليس من طبائع الأمور أن ينشأ علم على أساس من علم آخر يختلف عنه من حيث الغاية والمنهج والموضوع.
إن ترجمة المنطق الأرسطي لم تبلغ درجة الذيوع والانتشار إلا في المرحلة التالية لنشأة النحو العربي. ومن ثم فقد كان من الطبيعي أن يمارس هذا المنطق تأثيره في مسار الفكر النحوي في سياق التطوير، وليس في سياق الإنشاء والتأسيس. وهنا لا بد أن نقول إن هذا التأثير لم يكن
(1) 133 - الكتاب 3/ 320.
(3) 135 - جابر بن حيان: كتاب السر المكنون. ضمن مختار ... ص 54.