وبطبيعة الحال فإن النحو كان يشكل مادة من مواد التعليم في هذه المدارس [1] ، بل إنه كان أحيانًا عملًا مميزًا لمدارس معينة؛ مثلما يروى عن مدرسة رأس العين ـ التي ينسب إليها سرجيوس الرأس عيني ـ فقد"تفرد رهبان ديرها بضبط حركات ألفاظ الكتاب المقدس وتجويد قراءاته" [2] .
ولقد كانت هذه المدارس منتشرة في بقاع وادي الرافدين والشام مثل: الرها ونصيبين وأنطاكية وقنسرين ورأس العين وجنديسابور وغير ذلك. وفي الحقيقة فإن المرء لا يستطيع القول بأن العرب لم يحتكوا بهذه المدارس ورجالها ونظمها التعليمية. وإذا جاز لنا أن نحكم بذلك على العرب فكيف نحكم على من دخلوا في الثقافة العربية ممن كان لهم ثقافاتهم الخاصة قبل الإسلام؟
ويبدو أن هذا الاحتكاك قد بدأ منذ وقت مبكر [3] . يقول الدكتور النشار"وقد عثر"
(1) 149 - د. عبد الرحمن بدوي: التراث اليوناني ... ص 4.
(2) 150 - الفيكنت فيليب دي طرازي: عصر السريان الذهبي. ص 8.
(3) 151 - يمكننا أن نشير هنا إلي ما يقوله ابن خلكان عن خالد بن زيد بن معاوية ـ حكيم آل مروان ـ من أنه قد تتلمذ لراهب يسمي مرياس: وفيات 1/ 246. وكذلك نشير إلي أخذ معبد الجهمي (توفي بعد 80 هـ بقليل) فكرة القدر عن أحد نصارى العراق يقال له سوسن، وأخذ جعد بن درهم ـ الذي كانت داره إلي جانب الكنيسة بدمشق ـ فكرة خلق القرآن عن بنان بن سمعان: انظر: د. النشار: نشأة الفكر الفلسفي ... 1/ 319، 1/ 330. كما نشير إلي أن الكنيسة كانت تعين أساقفة للعرب نذكر منهم الأسقف جرجس (ت 724 م) وقد كان من تلاميذ عالم النحو السرياني يعقوب الرهاوي وكان مقر أسقيفته الكوفة وقد قام بترجمة الأورجانون لأرسطو. انظر: تاريخ الأدب السرياني ص 246، 277 ونشير إلي"سويرس سبوخت"أسقف دير قنسرين الذي كان"أول من أجاز للمسيحيين أن يعلموا المسلمين العلم"انظر: بحث د. مصطفي نظيف المشار إله سابقًا. كما نشير إلي كتبة الدواوين ـ في عهد خلفاء بني أمية ـ الذين كانوا من السريان مثل: سرجيوس بن منصور النصراني: كاتب معاوية ويزيد ومعاوية بن يزيد ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان، وابن بطريق النصراني: كاتب سليمان بن عبد الملك. انظر: التنبيه والإشراف للمسعودي ص 261، 265، 269، 273، 275 كما نشير إلي الأطباء السريان الذين عاشوا في الدولة الأموية مثل: ماسرجويه الذي ترجم كتاب أهرن بن أعين القس إلي العربية. انظر: طبقات الأطباء والحكماء ص 61. وللمزيد من معرفة العلاقة بين العرب والسريان في هذه الفترة المبكرة انظر: د. النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ج 3/ 140 - 149 وفي مواضع عديدة أخرى.