ولقد وضح تأثير نظرية الحد المنطقية في كتاب (الأصول) لابن السراج. فهو يرتب الموضوعات ترتيبًا صارمًا تراعى فيه اعتبارات العموم، ثم التقسيم حسب الضرورة العقلية، بحيث تنضوي الأنواع تحت أجناسها. يقول ابن السراج"فقد أعلنت في هذا الكتاب أسرار النحو، وجمعته جمعًا يحصره، وفصلته تفصيلًا يظهره، ورتبت أنواعه وصنوفه على مراتبها" [1] .
أصبحت المسألة اللغوية لدى ابن السراج تسير على نمط هذا المثال الذي يذكره:"ويقول القائل: الدينار ما هو؟ فتقول: حجر، فتجيبه بالجنس. ويقول: الدينار أي الحجارة؟ فتقول: ذهب، فتجيبه بنوع من ذلك الجنس" [2] . ويوضح هذا المثال وعيًا واضحًا بنظرية الحد المنطقية. وهو ما يبدو أيضًا من شرح ابن السراج لقول سيبويه"هذا باب علم ما الكلم من العربية". يقول ابن السراج:"لأن الكلم يكون عربيًا وعجميًا، فأضاف النوع وهو (الكلم) إلى اسمه الذي يبين به ما هو وهو العربية" [3] .
وتلقي نظرية الحد المنطقية ظلها على تفريق ابن السراج بين النكرة والمعرفة:"وهذه النكرات بعضها أنكر من بعض، فكل ما كان أكثر عمومًا فهو أنكر مما هو أخص منه؛ فـ (شيء) أنكر من قولك (حي) ، و (حي) أنكر من قولك (إنسان) ، فكلما قل ما يقع عليه الاسم فهو أقرب إلى التعريف، وكلما كثر كان أنكر" [4] . وليس هذا النص إلا انعكاسًا لنظرية الأجناس والأنواع في المنطق. ويبدو أن ابن السراج قد تلقى هذا المفهوم على أستاذه الفارابي، ففي كتاب الحروف للفارابي:"فإن الأخص يسمى نوعًا، والأعم"
(1) 42 - الأصول 1/ 60.
(2) 43 - السابق 1/ 77.
(3) 44 - السابق 1/ 499.
(4) 45 - ابن السراج: الأصول 1/ 176.