ومعنى ذلك كله أن العنصر البارز في ثقافة السيرافي هو القدرة علي التحليل، ومن ثم فقد اتسمت تعريفاته للمقولات النحوية بهذا الطابع المفرط في تقصي كل أجزاء التعريف بالشرح والتوضيح.
من الأشياء التي يأخذها السيرافي علي سيبويه أنه لم يضع حدود المقولات النحوية بشكل جامع مانع، فيقول"أما الاسم فإن سيبويه لم يحده بحد ينفصل به عن غيره. فإن سأل سائل عن حد الاسم فإن الجواب في ذلك أن يقال: كل شيء دال لفظه علي معنى غير مقترن بزمان محصل من مضي أو غيره فهو اسم. فهذا الحد الذي لا يخرج منه اسم ألبتة، ولا يدخل فيه غير اسم" [1] .
وعلي الرغم من أن السيرافي هنا يرى أن وظيفة الحد هي"الفصل والتمييز"، وهي وظيفته لدي علماء الأصول، إلا أن الحد الذي يسوقه يؤدي إلى تحصيل ماهية المعرف، وهي وظيفته في المنطق الأرسطي. بل إن الحد نفسه يكاد يكون نقلًا مباشرًا لتعريف أرسطو للاسم. فهو يضيف - ربما لأول مرة في النحو العربي - فكرة الزمان المحصل، وهي فكرة قد وردت عند أرسطو، وعند الفارابي أستاذ ابن السراج الذي لم يوردها في تعريفه للاسم في"الأصول"أو"الموجز".
ولا يسقط السيرافي من عناصر التعريف الأرسطي للاسم إلا عنصر الدلالة بالتواطؤ. ولكن ليس من الصعب استنتاج اعتناق السيرافي لمبدأ التواطؤ في الوضع اللغوي. فالمعتزلة كانوا يذهبون هذا المذهب [2] ، بل إن أستاذه أبا هاشم الجبائي يقول"لابد لأهل العقول من لغة يتواضعون عليها" [3] . والسيرافي نفسه في مناظرته مع متى بن يونس يشير إلى فكرة الاصطلاح أو التواطؤ عندما يذكر أن المنطق قد بني علي أساس من لغة
(1) 132 - الشرح 1/لوحة 4 - 5.
(2) 133 - انظر: القاضي عبد الجبار: المغني، 5/ 160.
(3) 134 - السابق 5/ 173.