وفي تعريفه للحرف يقول الفارسي"والحرف ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل" [1] . وإذا كان من قواعد التعريف المنطقي القديم أنه"لا يجوز أن يكون التعريف في ألفاظ معدولة (أي سالبة) " [2] فإن من الواضح أن هذا التعريف لـ"الحرف"يمثل خروجًا على هذه القاعدة ارتضاه الفارسي ـ هنا ـ كما ارتضاه في تعريفه"البناء"بقوله"البناء خلاف الإعراب" [3] ، وفي تعريفه للاستثناء المنقطع بقوله:"الاستثناء المنقطع أن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه" [4] . ولعل ذلك يمثل جانبًا آخر من جوانب خروج الفارسي على نظرية الحد المنطقية الأرسطية.
أما الطريقة الشائعة في تعريفات الفارسي فهي طريقة التقسيم. ويبدو أن هذه الطريقة قد لاقت قبولًا واسعًا لدى نحاة القرن الرابع ـ بصفة عامة ـ وعند الفارسي بصفة خاصة. فأمثلة القسمة كثيرة جدًا عنده، ويكفي أن تفتح أي كتاب من كتبه في أي فصل أو باب لتجده يعمد إلى هذه الطريقة عمدًا، مما يبدو معه أنه قد جعل"القسمة"هي المنهج الذي ينبغي لرجل النحو أن يسلكه. وفي الرواية التي سردناها ـ من قبل ـ عن العلة في كثرة ظروف الزمان وقلة ظروف المكان ما يدل على ذلك. فالتعريف لا يتم إلا بإحصاء أجزاء الظاهرة المراد تعريفها، ثم تقسيم هذه الأجزاء بما يميز بينها.
وإذا كان النحاة ـ كما رأينا ـ قد عرَّفوا الخبر أحيانًا بأنه"ما جاز فيه الصدق والكذب"، فإن الفارسي يعمد إلى التقسيم فيقول:"الأخبار تنقسم على ثمانية أقسام: الصحيح [و] السليم، والقبيح النظم القريب من الفهم، والخطأ، والكذب المقرون بدليل"
(1) 174 - الفارسي: الإيضاح، ص 8
(2) 175 - د. زكي نجيب محمود: المنطق الوضعي، ص 72
(3) 176 - الفارسي: الإيضاح، ص 15
(4) 177 - االسابق، ص 211.