وقد كانت مراعاة المعنى أحد الأسباب التي تطلب في علم النحو. يقول الرماني"ولا تنظر إلى ظاهر الإعراب، وتعقل المعنى الذي يقع عليه الإعراب لتكون قد ميزت فيما يجيزه أو يمتنع منه صواب الكلام من خطئه" [1] . ولقد كانت هذه الدعوة إلى تعقل المعنى بابًا واسعًا للتأويل الإعرابي عند نحاة هذا القرن. ومن ثم فإن الرماني يبيح دخول تفسير الغريب في صناعة النحو؛ لأن ذلك تقتضيه ضرورة هذا التوجيه الإعرابي. يتساءل الرماني في (باب الظروف التي تحتاج إلى تفسير) :"ولم أدخل في هذا الباب تفسير الغريب وليس من صناعة النحو؟"ثم يجيب عن هذا السؤال بقوله:"وإنما أدخل في هذا الباب تفسير الغريب للحاجة إليه في كشف الوجه الذي يقع عليه الإعراب، فجرى على طريق التبع للغرض. فبهكذا يصلح أن يدخل في الصناعة ما كان من صناعة غيرها" [2] .
وأهمية هذا النص تكمن في دلالته على وجود وعي عقلي باستقلال علم النحو عن بقية فروع علم اللغة. ولعل هذا الوعي العقلي هو الذي دفع الرماني ـ في موضع آخر ـ إلى القول:"وإنما فسر معنى لبيك وسعديك في باب من أبواب النحو لينكشف وجه إعرابه؛ إذ كان لا يظهر إلا بظهور معناه، ولولا ذلك لم يصلح تفسير الغريب في أبواب النحو لأنه تخليط إدخال صناعة في صناعة غيرها" [3] . ولا شك أن هذه الفكرة إنما هي ثمرة لما كان يدور في ثقافة هذا القرن من جدل حول تصنيف العلوم، وتمييز حدودها وعلاقاتها التي تربط فيما بينها. ومن المعروف أن فكرة التصنيف العلمي تعود إلى أرسطو [4] .
(1) 200 - الشرح 2/ باب الظروف التي تحتاج إلى تفسير
(2) 201 - الشرح 2/ باب الظروف التي تحتاج إلى تفسير
(3) 202 - الشرح 2/ باب المصدر المشبه المحمول علي محذوف.
(4) 203 - د. جلال عبد الحميد موسى: منهج البحث العلمي عند العرب. ص 59 وما بعدها، وانظر كذلك: الموسوعة الفلسفية المختصرة. ص 36