وتحاشيًا للإطالة في تبَيُّن ذلِكَ سنكتفي بِعَرْض نماذجَ مِنْ شِعْرِهِ يتجسَّدُ فيها ما ذَكَرْناهُ مِنْ كَثافة المَجاز لَدَيه.
فقال في قصيدة"يا ابن الفراتين" [1] وهي تقع في خمسة وستين ومئة بيت:
يا بنَ الفُراتَيْنِ قد أَصْغى لَكَ البَلَدُ ... زَعْمًا بأَنَّكَ فيه الصَّادِحُ الغَرِدُ
زَعْمٌ بحُبِّك مِنْه الفَخْرُ إِنْ صَدَقوا ... أَوْ لا فواجِدُ هَمٍّ بَثَّ ما يَجِدُ
ولن يُهوِّنَ بَثٌّ ما تَجيشُ به ... وَقَدْ تَهونُ على النًَّفَّاثَةِ العُقَدُ
ما بَيْنَ جَنْبَيْكَ نَبْعٌ لا قَرارَ لَهُ ... مِنَ المطامح يَسْتَسْقي ويرتفِدُ
إِذا تَخَلَّصْتَ مِنْ هَمٍّ أطحْتَ به ... شَبَّتْ هُمُومٌ على أَنْقاضِهِ جُدُدُ
كأَنَّ نَفْسَك بُقْيا أَنْفُسٍ شَقِيَتْ ... وكُلُّ ذَنْبِ ذَويْها أَنَّهُم وُجِدوا
وأَنَّهم حَلَبُوا الأَيَّامَ أَضْرُعَها ... حتَّاإِذا مَحَضَتْهُمْ دَرَّها زَهَدوا
فاضَتْ على الكُرَةِ الجَوْفاءِ وانطَلَقَتْ ... تُوفِي على عالِم أَوْفى وتَقْتَعِدُ
مُشَعْشَعاتٌ وَليلٌ حَوْلَها طَبَقٌ ... وطاهِراتٌ ورِجْسٌ دُوْنَها نَضَدُ
يرتادُ في سُوْحِها كَوْنٌ بأجمِعِهِ ... ومالَها سَبَدٌ فيه ولا لَبَدُ
ويستقي دمَها جِيْلٌ ويُنْكِرُها ... ويغتذي رُوْحَها خَلْقٌ وتَعْتَفِدُ
(1) الديوان: 5/ 347.