إِنَّ المجاز في شِعْرِ الجواهري لا يتحقَّقُ مِنْ خلال التَّركيب فحَسْب بل مِنْ خلال أساليب التَّعْبير ولا سيّما أساليب الطلب كالنِّداءوالأَمْر والاستفهام الَّتي تعكس النَّزْعة الخِطابية لدى الشَّاعر فاستعمل هذِهِ الأساليب استعمالًا مجازيًا بارِعًا وهو يُجَرِّد مِنْ نفسه شَخْصًا يحاوِرُه ويوجِّه الخِطاب إِليْهِ كما في"يا بن الفراتين"و"يا نَدِيمي"و"يا غَرِيْبَ الدَّار"و"أَرِحْ رِكابَكَ"وغيرها، ومِنْ خلال الأبيات المُقْتَطَعَة مِنْ مُطَوَّلَتِهِ نتبَيَّنَ كَثافَةَ المَجاز في تراكيبِهِ وجُمَلِهِ وَهي سِمَةٌ تَعُمُّ هذِهِ القَصيدة وغيرَها مِنْ القصائد. وعلى الرَّغم مِنْ أَنَّ الخطابية نَزْعَةٌ بارِزَةٌ في شِعْرِ الجواهري لكِنَّه ينهضُ بها ولا يجعلها علامَة ضَعْفِ مِنْ خلال غزارة التعابير المجازية الَّتي تَرْقى بالنَّصِّ وتُبْعدَهُ عَن التَّهافُتِ والسُّقُوْط.
وسوف نتبَيَّنَ أَهَمُّ الصُّوَر الَّتي تَكَوَّنَتْ بفعل تَضافُر عناصِرَ الجُمَل الإِسنادية وغير الإِسنادية وهِيَ:
قد أَصْغى لَكَ البَلَدُ ... ج
انَّك فيه الصَّادِحُ الغَرِدُ
ولَنْ يهوَّنَ بثٌّ ما تَجِيشُ بِه
ما بَيْنَ جَنْبَيْكَ نَبْعُ
لا قرارَ لَهُ مِنَ المَطامِح
يَسْتَسْقي ويَرْتَفِدُ
إِذا تَخَلَّصْتَ مِنْ هَمٍّ أَطَحْتَ بِه
شَبَّتْ هُمُومٌ على أَنْقاضِهِ جُدُدُ
كأَنَّ نَفْسَكَ بُقْيا أَنْفُسٍ شَقِيَتْ