لمعانيها، ولم يفعلوا فعل المؤوِّلين المحرفين الذين يتلاعبون بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ويدَّعون أنَّ ذلك ممَّا توجبه اللغة، فلو كان ذكر الساق في حق الله يعني به الشدَّة، أو القدم يعني به الموضع، أو الضحك يعني به الرضى، لبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا عامًّا لأهمية هذا الباب، ولما أحال الأمة على فهومهم، مع تباينها واختلافها.
والحاصل أنَّ الأصل في الكلام عند جميع العقلاء يراد به الحقيقة، فلا يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل.
الوجه الرابع: أن قول ابن الجوزي: «وهؤلاء أثبتوا ساقًا للذات وقدمًا، حتى يتحقق التجسيم والصورة» : يقال عنه:
إن من أثبت لله تعالى الساق والقدم إنما أثبتهما بأدلة جلية نقلية من الكتاب والسنة، فالكتاب دلَّ على أن لله ساقًا، فيجب إثباته لله تعالى دون تحريف أو تعطيل، ودون تكييف أو تمثيل، والسنة أيضًا دلَّت على إثبات الساق والقدم لله تعالى، وهاتان الصفتان من الصفات الذاتية الثابتة لله تعالى.
وهذا قول جميع علماء السلف، فلا أعلم بينهم نزاعًا في إثبات هاتين الصفتين، وكذلك سائر ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن زعم أنَّ إثبات الساق والقدم لله تعالى تجسيم، فقد أعظم على الله الفرية، وقال ما لا علم له به، وهذا أصل الضلال:
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .
وقال: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] .
وليس - ولله الحمد - فيما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم تشبيه ولا تجسيم، إنما التشبيه في نفي صفات الله تعالى ووصفه بالعدم؛ كما عليه أهل التعطيل، الذين ينفون عن الله تعالى ما وصف به نفسه ووصف به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويلقبون أهل السنة الذين