علم الكيفية، ولا ينفون حقيقة الصفة.
«فقول ربيعة ومالك: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب» : موافق لقول الباقين: «أمروها كما جاءت بلا كيف» ؛ فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة.
ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غيرهم فهم لمعناه على ما يليق بالله؛ لما قالوا: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول» ، ولما قالوا: «أمروها كما جاءت بلا كيف» ؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما، بل مجهولا، بمنزلة حروف المعجم.
وأيضا؛ فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضا؛ فإنه من ينفي الصفات الخبرية- أو الصفات مطلقا- لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف! فمن قال: إن الله ليس على العرش. لا يحتاج أن يقول: بلا كيف. فلو كان مذهب الساف نفي الصفات في نفس الأمر؛ لما قالوا: بلا كيف.
وأيضا؛ فقولهم: «أمروها كما جاءت» : يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه؛ فإنها جاءت ألفاظا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية؛ لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو: أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة. وحينئذ؛ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول ... ».
فإذا علم بطلان قول من استدل بمقالة مالك على التفويض؛ فليعلم أن ابن الجوزي وقع فيه، وادعى فيه دعوى عريضة من أنه مذهب السلف، ونقل الإجماع عليه.
قال في «صيد الخاطر» (ص 84) : «فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزد؛ لم ألمه، وهذه طريقة السلف» .
وقال أيضا في «صيد الخاطر» (ص 84» مقاله عظيمة تدل على توغله في التفويض وبعده عن مذهب السلف الصالح الذي دل الكتاب والسنة والإجماع