فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 131

-قال ابن الجوزي (107) :

«فصل: فإن قال قائل: ما الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم بألفاظ موهمة للتشبيه؟ قلنا: إن الخلق غلب عليه الحس؛ فلا يكادون يعرفون غيره ... » .

-أقول: جواب هذا أن يقال:

إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بألفاظ موهمة للتشبيه، وذكره صلى الله عليه وسلم لصفات ربه؛ كالرحمة، والغضب، والرضى، والسمع، والبصر ... ونحو ذلك: ليس موهما للتشبيه عند من سلمت فطرته ولم تتغير وتتلوث بحثالة الجهمية والمعطلة.

وأهل البدع لما كانوا لا يفهمون من صفات الخالق إلا مثل ما يفهمونه من صفات المخلوقين؛ عطلوا الرب جل وعلا عن أسمائه وصفاته، وهذا من جهلهم بالكتاب والسنة؛ فهم مثلوا أولا، ثم عطلوا ثانيا.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر لأصحابه في المجامع الكبيرة صفات ربه جل وعلا، ولم يستنكروا شيئا من ذلك، فلو كانت موهمة للتشبيه؛ لبادروا إلى السؤال والاستفهام عن ذلك، ولكنهم لسلامة فطرتهم وعدم تلوثها بالعقائد الفاسدة؛ لم يستنكروا، ولم يستشكلوا شيئا من ذلك، بل أقروا بها، وآمنوا بها، وأثبتوا ما دلت عليه، واعلموا أن الله جل وعلا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] ؛ بخلاف آيات الأحكام؛ فإنهم يستشكلون كثيرا منها، ولذلك يبادرون إلى السؤال والاستفصال عما أشكل.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله- كما في «مختصر الصواعق» (ص 17) : «تنازع الناس في كثير من الأحكام، ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا، وأن العناية ببيانها أهم؛ لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد، فبينها الله سبحانه وتعالى ورسوله بيانا شافيا، لا يقع فيه لبس يوقع الراسخين في العلم.

والحاصل الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأما آيات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت