الصفحة 16 من 74

بعض المذاهب الوضعية ترى أن أي مسؤول يعرف كيف يخطط عمله ويديره: يستطيع أن يكون قائدًا ناجحًا، بغض النظر عن أي شيء آخر يتعلق بقناعاته وبعقيدته وأخلاقه؛ فقد يكون هذا صحيحًا إذا كنا هنا بصدد تعيين قائد لفريق كرة قدم؛ فطالما أن هذا الكابتن يعرف قواعد اللعبة جيدًا ويجيدها، ويحسن توجيه زملائه أثناء اللعب: فهو كابتن ناجح، وفرصته في الفوز كبيرة، وكذا إذا كنا نتكلم عن مجموعات تجارية؛ يكون المسؤول العالم بأحوال السوق وتقلباته ودراسة جداوله وإلى آخره، إذا كان هكذا صاحبنا كذلك: فهي تكون فرصته في تحقيق الربح أيضًا كبيرة، لكن الأمر يختلف اختلافًا جذريًّا حينما نكون بصدد الحديث عن مسؤول في أي موقع في جماعة مسلمة، تسعى لإقامة دين الله تعالى؛ هنا لا بد من الإيمان الصادق، ولسنا نعني بالإيمان هنا: مجرد التصديق بأن الله واحد، وأنه هو الخالق الرازق المحيي المميت، وأنه أرسل الرسل، وأنزل الكتب، لا، وإنما نعني به: ما وُقِر في القلب، وصدَّقه العمل، نعني به: حب الله وخشيته ومراقبته، ومعاملته بدلًا مِن معاملة الخلق، والوقوف مع مراده، وحمل النفس عليه وإن كرهت، وحجزها عما يبغضه وإن رغبت فيه؛ حتى لا يفعل العبد ولا يترك: إلا ابتغاء وجه الله تعالى، وفق شرعته.

كثيرون منا للأسف الشديد يلوكون هذه الكلمات بأفواههم دون أن تعتقد بها نفوسهم، كثيرون منا لا يعطون هذا الأمر حقه، ولا يقدرونه قدره، كثيرون منا ما زالوا يتكلون على عقولهم وفطنتهم وذكائهم وقياستهم في إدارة الأمور، تاركين التحقق بحقائق الإيمان، والانصياع بها خلف ظهورهم، قانعين ببعض ركعات يؤدونها في غفلة، وبعض سنن يجمّلون بها ظواهرهم.

قال إمام الحرمين (أبو المعالي الجويني) -رحمه الله-: «مَن لم يقاوم عقله هواه ونفسه الأمارة بالسوء، ولم ينتهض رأيه بسياسة نفسه: فأنّى يصلح لسياسة خطة الإسلام؟!» هكذا قال -رحمه الله-، أَتُرَاه كان يتأمل في أحوالنا نحن اليوم، وقال كلماته هذه الجديرة بالتأمل؟! حقًّا مَن لم يكتم هواه ويقهر نفسه: غير قادر ولا شك على أن يغلب الباطل وحزبه، وإن مَن لم يقدر على سياسة الأمور وفق الشرع: سيفشل حتمًا في سياسة غيره، وقد قالها أحد المعاصرين العاملين بالدين؛ قال: «تأملتُ في أعداء الله؛ فإذا نفسي التي بين جنبي مِن أكبر أعدائه، فإذا قهرتها: فأنا قادر بإذن الله على قهر بقية الأعادي، وإن قهرتني: فسوف يقهرني الأعادي.» التقوى ليست شيئًا ثانويًّا، أو أمرًا تكميليًّا تحسينيًّا في نطاق العمل الإسلامي، بل هي صلب العمل لهذا الدين، ولبه وروحه ومحركه، وسبب توفيقه؛ فإن غابت: فلا قيمة بعد غيابها لعمل عامل، ولا لجهاد مقاتل، ولا لوعظ خطيب، ولا لاحتساب محتسب، ولا لأي شيء البتة؛ فكله سيعود هباء منثورًا، ألست أخي تجد ذلك في كتاب الله تعالى حين قال: {إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] . فمن اتقى الله في العمل وأتى به على الوجه المأمور به شرعًا، مخلصًا فيه لربه، متوكلًا عليه، ناسبًا فيه الفضل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت