فهرس الكتاب
إليه: فهو على رشاد، فإن عدمت التقوى: فالعمل مردود على صاحبه، ممحوقة بركته، معدوم أثره، بل قد ينقلب وبالًا على الدين وأهله!؛ فكم مِن ذكي يخطط ويدبّر في إتقان، وينفّذ في مهارة، ثم يعود ذلك عليه وعلى مَن معه: خذلانًا وشؤمًا، أتدري لماذا؟ اقرأ قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 81] .
كثير من الأعمال تصلح حين العمل مع الأحزاب السياسية؛ أما في نطاق العمل الإسلامي: فلا تصلح في هذا فلا بركة فيه، هنا علينا أن نَعِيَ أن مَن أراد التوفيق، ومَن أراد أن يصلح الله عمله: فليكن قبل كل شيء مِن الصالحين المصلحين، ومَن أراد أن يصلح الله عمله: فليكن كذلك؛ هنا يتنزَّل عليه التوفيق، وتتفتح له أبواب الخير، وتُغلَّق دونه أبواب الشر، وتُذَلَّل له الصعاب، ويُساق له النجاح، ويهديه الله تعالى للصراط، وكأنما هناك مَن يشير إليه إشارة، ويسوقه إليها سوقًا؛ فتراه مدفوعًا نحو هذا الأمر، مؤثرًا إياه على مَن عداه، وتعجب؛ لماذا صاحبنا منساق هكذا إلى هذا الأمر؟! وأنت لا تدري أنه محمول إليه حملًا، وأنه قد رأى بنور الطاعة ما لم يره غيره؛ لظلمة الغفلة الراقدة على قلبه: {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُمِن نُّورٍ} [النور: 40] . نعم؛ تنزل به الملمّات، وتحدق به الأهوال، ولكن الله تعالى يرزقه الصبر، ويلهمه طريق الخلاص، وإمامه وقائده في هذا: إمام المرسلين؛ محمد بن عبدالله - صلى الله عليه وسلم - وبقية الأنبياء؛ كم مِن خطب جليل نزل بهم؟ وكم مِن واقعة تشيب لها الولدان حلّت بساحتهم؟ لكن الله تعالى كان معهم؛ يعينهم وينجيهم، ويثبتهم وينصرهم.
انظر أخي إلى موسى -عليه السلام- والبحر أمامه، والعدو وراءه، وأصحابه قد صاحوا به: {إنا لمدركون} وهو يقول: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] ، وأجرى الله لعبده الضعيف طريق آية كبرى، وفلق له البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم. وانظر إلى عيسى عليه السلام؛ وقد سعوا في قتله، وألقى الله شبهه على عدوه، ورفعه هو ونجاه. وانظر إلى يونس -عليه السلام-؛ في بطن الحوت، فنادى في الظلمات: {أَنْ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك إِنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 87 - 88] . نعم إخوتي؛ {وكذلك ننجي المؤمنين} انظر إلى أبي الأنبياء إبراهيم -عليه السلام-؛ وقد قالوا: {حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 68] . فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] .
تأمل أخي معي حال ذلك الرجل الوحيد الذي جاءه أمر ربه: {اقرأ} ثم: {وأنذر} فقام وحيدًا ينذر قومه، فَعُوْدِيَ وعُذِّبَ، حاربه الأسود والأحمر، وما ينزل به مِن كرب: إلا وينزل الله معه الفرج، وما يضيق به مِن أمر: إلا ويوسعه الله عليه، ولا يمكر به أعداؤه: إلا ويجعل الله مكرهم السيئ يحيق بهم لا به - صلى الله عليه وسلم -، ثم يسوق إليه الأنصار؛ ليخرج من (مكة) -حيث الحرب والحصار