أصدر أوامره: مختالًا بمركزه، سعيدًا برفعته على أقرانه وامتثالهم له؛ فهذا مِن المتشبهين بكسرى والنمرود. وأمَّا مَن كان في هذا كله وفي غيره مما هو مأمور به: متأدبًا بآداب العبودية؛ فإن صلاته ووعظه وصيامه، وأمره ونهيه، وحسبته وتعليمه وجهاده، بل ومزاحه وراحته، وأكله وشربه: ستكون كلها من أسباب تزكية نفسه، وسيشعر قلبه بذلك وهو يأتيها. فأي عمل تحس به قبل الشروع فيه بالافتقار التام إلى خالقك وحاجتك إليه؛ أن يعينك على فعله على الوجه المراد، وييسر لك أسبابه، ويمنع ما يقطعك عنه، ثم لمّا تقبل عليه لا يكون همك إلا إرضاء ربك، وقد غاب عن قلبك رؤية الخلق، حتى وأنت بينهم بجوارحك، عليك ألا تقصد الناس بشيء من عملك البتة، أذكر نفسي وإياكم بهذا، حتى الحركة اليسيرة، واللفتة والبسمة تظن بها: أن تكون إلا على قانون الإخلاص، وتظل فاقتك فيه إلى ربك، وإخلاصك له ملازمين لك مع ترداد أنفاسك، حتى تنتهي منه على أحسن الوجوه، مستفرغًا فيه الوسع بإتقان، فإذا فرغت منه: لم يلتفت إليه قلبك، ولم تذل به نفسك، بل رأيته بفضل الله عليك لا من كسبك، ورأيت نفسك كالآلة: تعمل لا فضل لك فيها، وإنما الفضل في مبدعها، وأحسست مع ذلك كله بتقصير، ونسيت نفسك تمامًا وكأنها لم تفعل هذه العبادة البتة، وما عدتَ تذكرها ولا بقلبك إعجابًا، ولا بلسانك تسميعًا ورياء، وشرعت عقبه مباشرة في غيره: فهذا هو العمل الذي تسمو به النفوس وتطهر. أما ما قمت به معتمدًا فيه على خبرتك، واثقًا مِن حنكتك، متوكلًا على غير الله مِن المخلوقات؛ فإذا شرعتَ فيه تلفّتَ قلبك لمن حولك، ومضت جوارحك تعاملهم؛ خائف أنت مِن أن يطلعوا منك على تقصير، فتنزل منزلتك، راغب في أن يروا إتقانك، فإذا ما بدر منك الخطر: ضاقت عليك الدنيا؛ لظهور ذلك أمام المخلوقين، فإذا ما فرغت منه: ظللتَ تقوله بقلبك وبلسانك، أو بهما معًا: قد فعلتُ وقد فعلتُ، وهذا مِن عملي وهذا من كسبي؛ فهذا هو العمل الذي يقطعك عن ربك، ويفسد قلبك؛ {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103 - 104] ، {أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8] .
إن الصلاح ليس ثمرة للصلاة أو الذكر أو قراءة القرآن فحسب، بل هو ثمرة كل طاعة أمرنا الله بها؛ متى أديناها على وجهها، ومعلوم أن الله تعالى لم يأمرنا بنوع واحد من الأعمال؛ وذلك رحمة بخلقه؛ حتى لا يملوا وينقطعوا، فلينتبه الساعون لهذا الأمر؛ فإن محاولة الاستمرار على طاعات بعينها، وقصر النفس عليها: لا تطيقه النفس؛ إنها لم تخلق له وحده، ولن يكون هذا وسيلة لإصلاحها. ينبغي أن ينوّع العبد في أعماله وطاعاته، ويجعل قسمًا منها في التلاوة وذكر الله ومناجاته، والصلاة المفروضة الجماعة في المسجد، وكذا النافلة؛ وخاصة السنن والرواتب، وقيام الليل؛ قال الله تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6] ، ويجعل قسمًا