الصفحة 19 من 74

فالواجب هو المداومة على أسباب الصلاح والهدى، ودوام التوقّي والحذر مِن أسباب الفساد والهلاك والعطب، ودوام اللجوء إلى الله تعالى، والإحساس والاستقرار التام إليه؛ هذه هي حقيقة العبودية؛ لا مجرد حركات عبادات خالية عن العبودية، فالمداومة أصلٌ عظيم ينبغي الالتفات إليه؛ لذا كان عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - ديمة؛ أي دائمًا، وكان إذا عمل عملًا: أثبته؛ أي استمر عليه وجعله وظيفة ثابتة. وكان - صلى الله عليه وسلم - أحب الدين إليه: ما داوم عليه صاحبه وإن قل؛ لأن المداومة هي التي تؤثر وتغير الحال شيئًا بعد شيء؛ ولذا وردت وصاياه - صلى الله عليه وسلم - بالقصد والاعتدال في الطاعات، ونهى أن يحمل العبد نفسه ما لا يقدر على المداومة عليه؛ فمع الاقتصاد: يمكن الاستمرار، وأما مع المبالغة: فلا بد من أن يحدث الانقطاع، وفي الحديث: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه [أي: غلبه الدين] فسددوا وقاربوا، وابشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، القصد القصد تبلغوه.» [رواه البخاري] ، قال (النووي) -رحمه الله- في تفسير هذا الحديث: «إلا غلبه؛ أي غلبه الدين، وعجز ذلك المشاد عن مقاومة الدين؛ لكثرة طرقه، والغدوة: هي السير أول النهار، والروحة: هي السير آخر النهار، والدلجة: هي آخر الليل، ومعناه: استعينوا على طاعة الله عز وجل بالأعمال في وقت نشاطكم وبصفاء قلوبكم؛ بحيث تستلذّون العبادة، ولا تسأمون، وتبلغون مقصودكم؛ كما أن المسافر الحاذق يسير في هذه الأوقات، ويستريح هو ودابته في غيرها.» ، انتهى كلام (النووي) -رحمه الله-.

أما مَن اكتفى بهذا الأصل العظيم، وكان منه على باب: وصل لمراده مِن أقرب الطرق، ومَن غاب عنه: تعب وانقطع، ولم يحصل ما يريد. فالعبد: يعجز عن أن يقوم الليل إلى الصباح، وإن قدر عليه ليلة أو ليال: فلن يقدر على المداومة حتى مدة طويلة، وحتى في تلك الليالي القليلة التي استطاع أن يقومها كلها: لن يكون في صلاته خاشعًا، بل سيكون بسبب طولها لاهيًا غافلًا؛ ولذا كان السلف يوصون بتخفيف الخشوع بأحسن ما يقدر عليه العبد في القليل من الصلوات التي يطيقها، قبل أن يصيبه الملل.

يلزم التنبيه أن مِن أسباب الصلاح ليس فقط في الصلوات والأذكار والصيام والاعتكاف، بل إنها في كل ما أمر الله به، إذا قام به العبد على الوجه المأمور به شرعًا، فإن تركه العبد بالكلية، أو قام به على غير الوجه المأمور به: فسوف يكون ذلك مِن أسباب فساد قلبه ومرضه وعجزه، فكما أن مَن ترك الصلاة قَسَا قلبه حتى يصير أقسى من قلب فرعون: فكذا مَن صلى رياء أو أُعجب بصلاته بينه وبين نفسه، أو كان فيها ساهيًا لاهيًا غافلًا، وضيّع مِن خشوعها سارقًا مِن ركوعها وسجودها، عابثًا بجوارحه، مثل هذا: لا تزيده صلاته مِن الله إلا بعدًا. ومن وافى الناس أو علمهم ليبيّن لهم حسن منطقه، وقوة حجته، وسعة علمه؛ فهو من شِرْسِيّ جهنم، وعمله هذا مِن أكبر أسباب فساد قلبه، واذكروا الثلاثة الذين أول مَن تُسَعَّر بهم جهنم يوم القيامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومَن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت