إذًا باختصار؛ بعد أن حدّدنا إيجابيات وسلبيات كل بديل، أبدأ هنا في الاختيار بالمقارنة والحسابات البسيطة، هذا إيجابياته أكثر من سلبياته، وهذه السلبيات الموجودة أيضًا أستطيع أن أتغلب عليها، وأن أزيل آثارها الجانبية. إذًا في هذه الحالة؛ الأمر لي أن أختار هذا البديل بإذن الله، وأتوكل على الله. وأمثل البدائل: هو الذي يصل بي إلى الهدف، ويحقق أكبر قدر من المصالح المرجوّة بأقل تكلفةٍ ممكنة، ومن أقصر الطرق، مع مراعاتي لمختلف ظروفي الأمنية والمادية، ويكون مع ذلك الآثار الجانبية السيئة الناشئة عنه أقل ما يمكن، أو يكون من الممكن معالجتها والسيطرة عليها. وهنا يلزم التركيز على أهمية سعة أفق المسؤول، وخطورة كونه أحادي التفكير، فلا يصح بحال أن يوازن بين البدائل من زاويةٍ واحدة، بل يوازن بينها من جميع الزوايا. فلا تنظر للبدائل من حيث تحقيقها لعامل السرعة فقط، وتنسى عامل الإمكانات المتاحة، فقد يكون ما هو أسرع يحتاج إلى إمكانات ليست تحت يدك، فتكون قد اخترت الوهم الذي لا تستطيع تحقيقه. ولا تنظر إليها من زاوية سهولة القيام بها، وترك المشاكل المترتبة عليها، فكم من عملٍ يسهل الآن فعله، ويصعب غدًا تضارب مفاسده.
ولقد كان من اليسير أن يأمر - صلى الله عليه وسلم - بقتل رأس النفاق (عبدالله بن أُبي بن سلول) ؛ الذي كان لا يكف عن إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والوقيعة بين المسلمين، وكثيرًا ما استأذن بعض المسلمين في قتله، لكنه - صلى الله عليه وسلم - كان يأبى، واستأذنه (عمر) -رَضِيَ الله عَنْهُ- فأبى، وقال في تعليم ذلك: «فكيف يا (عمرُ) إذا تحدّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟!» ، وقال أيضًا: «إذًا ترعُد له آنفُ كثيرةٌ في (يثرب) .» فانظر أخي إلى عاقبة ذلك الفعل الحكيم منه - صلى الله عليه وسلم -، وذلك الاختيار الصحيح السليم.
قال (ابن هشام) في سيرته -بعد أن ذكر بعض ما فعله (عبدالله بن أُبي) من إيذاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبه؛ قال: «ثم إن (عبدالله بن عبدالله بن أُبي) أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقال: يا رسول الله، إنه قد بلغني أنك تريد قتل (عبدالله بن أُبي) أَبي، فإن كنت لا بُدَّ فاعلًا: فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت (الخزرج) ما كان بها رجل أبرّ بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل (عبدالله) يمشي بين الناس فأقتله، فأقتل رجلًا مؤمنًا بكافر، فأدخل النار.» فقال - صلى الله عليه وسلم: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.» وجعل بعد ذلك إذا أحدث (عبدالله بن أُبي) حدثًا، كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه. فقال - صلى الله عليه وسلم - لـ (عمر بن الخطاب) -رَضِيَ الله عَنْهُ- حين بلغه ذلك من شأنهم؛ قال: «كيف ترى يا (عمر) ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي؛ إذًا لأُرعِدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته.» فقال (عمر) -رَضِيَ الله عَنْهُ-: «والله لقد علمت لَأَمرُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعظم بركة من أمري.»