الصفحة 8 من 74

وعليه: نظرًا لصعوبة هذا الأمر -إقامة الدين-، ونظرًا أيضًا لما يحويه ويقتضيه من مواجهة شرسة بين إقامة هذا الدين وبين الجاهليّة؛ ذلك أنّ الإسلام يضادّ كلّ الجاهليّة في كلّ صورها ومؤسّساتها ومرافقها، يعتمد سياسة الهدم والإقامة، كما تعلمون؛ فإذًا لا بدّ أن ترمي الجاهليّة هذا الأمر عن قوس واحدة، إذًا الأمر شديد عسير صعب، تمامًا كما بيّن ربّنا تبارك وتعالى؛ فالله عزّ وجلّ يقول لنا: {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْ تَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [الشورى: 15] . ويقول سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُ دُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] .

ولمّا كانت هذه المهمّة -مهمّة إقامة الدين- مهمّة صعبة ثقيلة، وكان أيضًا دونها عداوات كثيرة؛ لذا شرع الله عزّ وجلّ لعباده المسلمين التعاون فيما بينهم لإقامتها؛ فقال عزّ من قائل: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] ، وقال عزّ من قائل: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِ يحُكُمْ} [الأنفال: 46] ، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَائِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ، إلى قوله عزّ وجلّ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 72 - 73] ، والمعنى: أنّكم، أيّها المؤمنون، إن تركتم نصرة بعضكم بعضًا، مع قيام الكافرين بموالاة بعضهم بعضًا، ونصرة بعضهم بعضًا؛ فستكون عاقبة ذلك وقوع الفتنة وانتشار الفساد؛ وحيثما يوجد الاجتماع، الاجتماع الذي قرّرنا أنّه ضرورة حتميّة كي نقيم الدين، حيثما يوجد اجتماع إذًا لا بدّ من وجود مُطاع ومُقدّم؛ هكذا اتّفق العقلاء مسلمهم وكافرهم؛ ولذا يقول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه (أبو داوود) في سننه؛ عن (أبي سعيد) ، وكذا عن (أبي هريرة) ؛ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر: فليؤمّروا أحدهم.» وعند (مسند الإمام أحمد) ؛ بسنده عن (عبدالله بن عمر) -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أنّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحلّ لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض: إلّا أمّروا أحدهم.» ، فلم يجوّز الشارع بقاء ثلاثة في سفر عارض بغير إمرة؛ وفي ذلك تنبيه على أنّ الإمارة لازمة مع كلّ اجتماع، ولو كان قليل العدد قصير المدّة؛ كثير من النّاس يقصر فهمهم عن هذا الأمر، هذا أمر ضروريّ، ولكنّ المسمّى المعتاد عند الناس هو: المسؤول، مسؤول عن أيّ مهمّة صغرت أم كبرت، أيّما مهمّة اجتمع نفر من النّاس على تأديتها، فلا بدّ من مقدّم ومطاع فيما بينهم، على أسس يتّفقون عليها، هذه مسمّاها الشرعيّ: إمرة؛ ولهذا يقول بعضهم: «ينبغي أن تُتَّخَذ الإمارة دينًا يُتَقَرَّب به إلى الله» ، هكذا نظرة الإسلام للإمارة؛ ولذا فقد أمر الله تبارك وتعالى بطاعة الأمراء؛ فقال عزّ من قائل: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّ سُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59] ؛ فجعل طاعة أولي الأمر من طاعته سبحانه، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولو تأمّل أيّ مسؤول، أو أيّ قائد، أو أيّ أمير، في هذا الأمر لانفطر قلبه، ولاقشعرّ جسده؛ إشفاقًا مِن أنّ طاعته تكون مِن طاعة الله وطاعة رسوله! أيّ عبء هذا؟ وأيّ أمانة هذه؟ تلك التي وُضِعت على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت