الصفحة 9 من 74

كاهل رجل، قد جُعِلت طاعته مِن طاعة الله وطاعة رسوله! وقد أشفق (عمر بن عبدالعزيز) -رحمه الله- على نفسه حين قُرِأ عليه عهد الخلافة؛ فكان يبكي ويقول: «أبكي للفقير الجائع، وابن السبيل الضائع، واليتيم المحروم، علمت أنّني مسؤول عن أولئك جميعًا.» ؛ وكان يخطب في بعض صحابته، فيبكي ويشكو إليهم ويقول: «رجل حُمِّل ما لا يطيق!» ومِن قبله كان جدّه (عمر بن الخطّاب) -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرضَاه-؛ كان يقول: «لو أنّ بغلة عثرت بـ (العراق) ؛ لَخِفْتُ أن أُسأَل عنها: لِمَ لمْ تُسَوِّ لها الطريق يا (عمر) وكان -رحمه الله-، (عمر بن عبدالعزيز) ، يقول عن الخلافة: «من يأخذها بما فيها؟» ؛ إشفاقًا وحذرًا مِن هذه المسؤوليّة! وكثير من السّلف الصالح كانوا يهربون من هذه المسؤوليّة، ومن هذه الإمارة، حتّى أنّ (أبا حنيفة) -رحمه الله- حينما أمره (المنصور) -رحمه الله- بأن يَلِيَ القضاء رفض (أبو حنيفة) هذه الولاية، فحبسه (المنصور) وعذّبه، فما زاده ذلك إلّا إصرارًا، كيف لا وهو يعلم حديث النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ الذي رواه (ابن حبّان) ، وأخرجه (البيهقي) أيضًا، عن (عائشة) أنّها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يُدعى بالقاضي العادل يوم القيامة: فيلقى مِن شدّة في الحساب ما يتمنّى أنّه لم يقضِ بين اثنين في عمره!» وفي رواية (البيهقي) : «ما يتمنّى أنّه لم يقضِ بين اثنين في تمرة» ، هذا القاضي العادل فما بالكم بمن دونه؟!

حكايات الصّالحين كثيرة في هذا، إذًا الأمر خطير، والعجيب أنّنا نرى هذه الأيّام أقوامًا قلّ ورعهم ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، ورقّ دينهم، وخَفّت عقولهم؛ لا يزالون يحرصون على الإمارة، ويسألونها بألسنتهم، أو يتطلّعون إليها بقلوبهم، وأولئك هم سقط المتاع الذين لا خلاق لهم؛ قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في (الصّحيح) : «إنَّا لَا نولّي هَذَا الأمر أحَدًا سَأله، وَلَا أحدًا حرص عليه.» [رواه مسلم] ، وفي رواية أنَّه قال - صلى الله عليه وسلم: «إنَّكم سَتحرصُونَ عَلَى الإمَارَة، وَسَتَكُون نَدَامة يَوم القِيامَة.» [رواه البخاري] . وقال - صلى الله عليه وسلم - لـ (عبدالرّحمن بن سمرة) ؛ قال: «لا تسأل الإمارة؛ فإنّك إن أُعْطِيْتَها عن مسألة: وُكِلْتَ إليها، وإن أُعْطِيْتَها عن غير مسألة: أُعِنْتَ عليها» ؛ ذلك لأنّه لا يسألها ولا يحرص عليها: إلّا مَن هان عليه دينه، وأحبّ الرئاسة والعلوّ على غيره، ومثل هذا: قلبه خالٍ مِن خشية الله تعالى ومِن مراقبته، ولو كان فيه شيء من ذلك: لأشفق على نفسه مِن ولاية؛ يُسأل فيها عن الكبير والصغير، وعن النقير والقطمير.

وعليه؛ فالواجب المتعيّن على مَن ابتلاه الله بشيء مِن الولايات أو المسؤوليّات صغرت أم كبرت، الواجب عليه: أن ينظر في مراد الشرع في هذه المسؤولية؛ فيجعل هدف الإسلام من هذه المسؤوليّة أو من هذه الولاية؛ سواء كانت ولاية كبيرة أم صغيرة؛ يجعل هذا الهدف: هو نصب عينيه؛ فلا يحدّد، ولا يبادر هو مِن تلقاء نفسه بتحديد الهدف، وإنّما تحديد الهدف: يقوم على مرتكزات أساسيّة في الإسلام -سنشرحها بإذن الله تعالى بالتفصيل في الفصول القادمة - لا يقدّم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت