الصفحة 10 من 74

هواه في هذا الأمر، بل يعتمد قوله عزّ مَن قائل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَ سُولِهِ} [الحجرات: 1] ، وإنّما ينظر في مراد الله، وينخلع عن كلّ ما عاداه؛ مِن مرادات النفس وأهوائها، ووسواس الشياطين وأضاليلها، وملذّات الدنيا وأباطيلها، وليحذر أشدّ الحذر أن تتخّذ نفسه الأمّارة بالسوء مِن الولاية: مادّة للتّعالي على إخوانه والترفّع عليهم، أو لظلم أحد والبغي عليه، أو لمحاباة صديق بإعطائه ما لا يستحقّه؛ فإنّ الولاية، وإنّ المسؤوليّة أيًّا ما كانت: ليست لهوًا أو مِن متاع الدنيا، بل هي كما قالوا: دين يُتَقَرَّب به إلى الله، وهي خلافة النبوّة بسياسة الدنيا للدّين، هذا هو عمل الأمراء حيثما كانوا، لا فرق فيه بين أصغر الولاة وأكبرهم، ولا بين إمام ممكَّن وغير ممكَّن، فهذا كذاك: يسعى قدر طاقته لإقامة دين الله تعالى، لكن مسؤوليّات أحدهم قد تكون أكبر من الآخر، وذلك حسب قدرته واستطاعته؛ قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.» [متفق عليه] ، ليست الإمارة أو المسؤوليّة عبئًا ومسؤوليّة في حقّ الأمير الممكّن فقط، بل هي أيضًا في حقّ كلّ أمير، حتّى وإن كان أميرًا على ثلاثة أفراد، حتّى وإن كان مسؤولًا عن مهمّة صغيرة؛ فهو أيضًا سَيُسْأَل عنها، ويجب أن يكون هدفه مِن هذه المسؤوليّة: هو الهدف الأعظم والأتمّ لكلّ المسلمين؛ ألا وهو كما قلنا: إقامة الدّين.

لكنّ إقامة الدّين ليست أمرًا واحدًا، ولا شيئًا واحدًا، ولا هو عدّة أشياء قليلة صغيرة، حتّى يكون في وسع مجموعة صغيرة مثلًا أن تقوم به، بل هو فروع كثيرة متعدّدة؛ منها ما هو عبادة بدنيّة، ومنها ما هو عبادة ماليّة، ومنها ما هو عبادة قلبيّة، ومنها ما هو مشترك بين كلّ ذلك، اتّفق الأصوليّون على شيء يشترك فيه جميع المكلّفين، وأطلقوا عليه اسم «فروض الأعيان» ؛ مثل: الصّلاة والصّوم، والحجّ لمن يستطيع، وبرّ الوالدين إلى آخره، هذه فروض الأعيان يشترك ويتفّق فيها كلّ المكلّفين، وهناك فروض أخرى: إذا قام به جزء سقط عن الباقين؛ وهو ما أطلق عليه علماء الأصول اسم: «فرض الكفاية» ، وفروض الكفايات تختلف من واحد إلى آخر.

أمّا فروض الأعيان؛ فالجميع يلزمه هذا؛ ففي هذه الحالة: لا يسع -كما هو معلوم- زيدًا ترك هذا الفرض لأنّ عَمْرًا قد فعله، ولا يسوّغ لأيّ قرية أو محلّة: تأجيل هذا الفرض عن وقته لأنّ غيرهم قد أتوا به، بل كلّ مسؤول عن هذا الأمر، وعليه، بعد ذلك سيطول الكلام في فروض الكفايات؛ مثل: الحسبة والعلم، والولايات الشرعيّة، والجهاد في حال كونه ليس فرض عين، إلى آخره، هذه الفروض: توزّع على المكلّفين؛ كي يحقّقوا الهدف الأكبر؛ وهو: إقامة الدين؛ ولهذا طبيعي أن نجد اختلافًا كبيرًا بين هذه الأعمال؛ وهي فروض الكفايات التي تُوكَل مثلًا بأمير مسجد عن تلك التي توكل مثلًا بأمير حسبة، أو توكل بأمير طباعة، أو توكل بأمير أجهزة سمعيّة وبصريّة، أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت