فهرس الكتاب
بل إن القسم الرابع -المعاهَدون- وضعهم وضع استثنائي يلجأ إمام المسلمين لمعاهدتهم عند الحاجة إلى ذلك ولفترة محددة، ولا يجوز معاهدتهم إلى الأبد عند جماهير علماء المسلمين، والقلة الذين أجازوا ذلك جعلوا الوفاء بالعهد -الذي لم تُحدد مدته- غير ملزم، بل يجب على المسلمين نقضه حينما تكون مصلحة الإسلام والمسلمين في القتال بشرط إنذار الطرف الآخر [1] .
والحاصل أن الوضع المستقر الذي ترضى دولة الإسلام استدامته لسكان المعمورة أن يكونوا قسمين لا ثالث لهما؛ إما مسلم وإما ذمي، وذلك لأن المُعاهَد سيأتي وقت يُقاتَل فيه ليكون إما مسلم أو ذمي أو مقتول، والمستأمَن إذا قُضي على المحاربين ولم يوجد معاهَدون فلن يُوجد بالتالي مستأمَنون.
وطالما أن هذا الوضع المستقر لم يوجد فإن الحرب لا تضع أوزارها بين دولة الإسلام وباقي العالم، وهو ما سنفصل فيه بإذن الله عند الحديث عن وسائل دولة الإسلام، لكن المقصود هنا بيان نظرة دولة الإسلام للعنصر البشري المكون لها.
في ضوء ما سبق نستطيع أن نقرر بسهولة شديدة أن كل سكان كوكب الأرض رعايا في دولة الإسلام، وبالمصطلحات الحديثة -حتى يُتصور الأمر-: إن شعب دولة الإسلام هم كل قاطني المعمورة، منهم الصالحون الذين يتمتعون بحقوق الحياة كاملة وهم المسلمون، ثم أهل الذمة، ثم المستحقون للعقاب إما عاجلًا -المحاربون- أو آجلًا -المعاهَدون والمستأمَنون-.
نستطيع أن نستوعب ممَّا سبق بوضوح مدى بُعد المفاهيم العلمانية الحديثة حول المساواة بين البشر والسلم بينهم وحقوقهم والغاية من وجودهم، عن مفاهيم دولة الإسلام.
ولا نحتاج حينئذٍ للتبريرات السمجة والمعاذير الباطلة لنُبرر بها مشروعية الرق -مثلًا-، والتي يقف المتمسك بها على شفا جرف هارٍ يوشك أن يقع به في قعر جحيم الاعتراض على أحكام الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فالرق ليس إلا رحمةٌ من رحمات الله عز وجل بأهل الكفر المحاربين، فبدلًا من أن يُقتلوا جميعًا فيدخلوا جهنم خالدين فيها؛ رخَّص الله للمسلمين -إذا وجدوا في ذلك مصلحة- أن يسترقوهم،
(1) راجع قول الجمهور في المغني لابن قدامة (9/ 297) ، وراجع القول الآخر في مجموع الفتاوى ابن تيمية (29/ 140) .