"وإنا لا ندري السبب الذي حمل ابن السوداء على نشر هذه الدعاية ضد عثمان وتحزبه لعلي بن أبي طالب؟! وإن الإنسان ليعجبُ من ارتحال هذا الرَّجل من مِصرٍ إلى مِصر واحتماله المشقات واختلاقه المذاهب وحض الناس على بث الدعوة إلا إذا كان قد أراد بذلك هدم الإسلام وحدوث الفتن والثورات .. [1] "
وسارت الأمورُ على هذا النَّحو المُتوتِّر، والوتيرةِ الحادَّة، والطريقةِ الفاسِدة حتَّى جاء يومُ الجريمةِ ويومُ الفاجعة الفادحة لترى العجَبَ العُجاب مما تصنعُه شرارةُ تتبُّع العثرات وتشويهِ الاجتهادات وتهويلِ الأخطاء.
حيثُ قام القوم بحصارِ البيت(فأقبل عبد الله بن سلام حتى قام على بابِ الدار ينهاهم عن قتله وقال: يا قوم لا تسلُّوا سيف الله عليكم، فوالله إن سللتُموه لا تُغمدوه. ويلكم! إنَّ سلطانكم اليوم يقوم بالدُّرُّة فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف. ويلكم! إنَّ مدينتكم محفوفة بملائكة الله والله لئن قتلتموه لتتركنَّها فقالوا: يا ابن اليهودية وما أنت وهذا؟! فرجع عنهم.
قالوا: وكانَ آخِرُ من دخل عليه - أي عثمان - ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر فقال له عثمان: ويلك! أعلى الله تغضب! هل لي إليك جُرمٌ إلاَّ حقَّه أخذتُه منك! فنكل ورجع، فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره ثار قتيرة وسودان ابن حمران السّكونيِّان والغافقيُّ فضربه الغافقيُّ بحديدة معه وضربَ المصحف برجلِهِ فاستدار المُصحف فاستقرَّ بين يديهِ - رضِيَ اللهُ عنهُ-وسالت عليه الدِّماء وجاء سودان بن حمران ليضربه فانكبَّت عليه نائلة ابنة الفرافصة واتَّقت السيف بيدِها فتعمَّدها ونَفَحَ أصابعها فأطنَّ أصابعَ يدها وولَّت فغمز أوراكها، وضرب عثمان فقتله) [2]
ولم يكتفوا بذلك حتى قام (عمرو بن الحمق فوثب علي صدره وبه رَمَقٌ فطعنه تسع طعنات قال: فأمَّا ثلاثٌ منها فإني طعنتهن إياه لله تعالي!! وأمَّا سِتٌ فَلِمَا كَانَ في صَدْرِي عَلَيْهِ!!(وهكذا تفعلُ الصُّدور إذا غلت بحقدها)
(1) سيرة عثمان بن عفان 1/ 127
(2) تاريخ الطبري 2/ 676