لاتظُن أنَّ هذا الصِّراع النَّفسيَّ مهما بلغ من العُنفِ يُعتبرُ علامةً فارِقةً بين الصِّدقِ والكذب، أو بين الثباتِ والنُّكوص، أو أنَّه انكسارٌ وهزيمةٌ روحيَّة. كلا! فالأمرُ يبقى في حدودِهِ الطبيعيةِ، بشرط أن لا ينتقِل إلى مراحل أخرى، وهي الاستجابةُ لهذا الصِّراعِ ومن ثَمَّ الاستسلام له والهزيمة أمامه.
متى نصْرُ الله
لقد مرَّ في هذا الصِّراع - وبأشكالٍ مختلفةٍ- غيرُكَ ممن سار في هذا الطَّريق - أعني طريق الإيمان والجهاد والدَّعوة- وتساؤلوا رُبَّما بنفسِ تلك التساؤلاتِ أو بمعناها!! ولكنَّهم تجاوزوها حين لم يركنوا إليها وينكسِروا أمامها.
"هُنَالِكَ ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا"إنَّها الزَّلازِلُ إذًا!
وأنت حينَ تُحدِّثك نفسُكَ بهذه الأمور والتي يدفعُ بها الشَّيطانُ دفعًا إلى ميدانِ الرَّوحِ ليهزمها، يجبُ أن تعلم عدَّة أمور:
1 -أنَّ العقيدةَ أسمى من أن تَضَعها في كفَّةِ الدُنيا التي ترى أنَّها سُحبتْ من يديك!! فأصحابُ العقائِد والمبادئ والأفكارِ-بصدقٍ- هم الذين يُضحون من أجلها، ويعملونَ جاهدين على إحيائها في عالم الواقع ولو كلَّفم ذلك حريَّتهم بل حياتهم.
2 -أنَّك لست وحدك في هذا الطَّريق، وأنَّ ما أصابكَ أو قد يُصيبكَ، قد أصاب من كان قبلك بل بأشدِّ مما تُلاقيهِ وتتوقعهُ!! حتَّى أنَّ خباب بن الأرت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جاء إلى النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وقد لاقى ما لاقى!! واجتمعت عليهِ نفسُه وألامُه وجِراحُه وعذاباتُه، وانطرح بين يديه عليه الصلاة والسلامُ يسبِقُهُ لسان حالهِ قبل لسان مقاله:"يارسول الله، ألا تَسْتَنْصُرُ لنا، ألا تَدْعو الله لنا"؟!! فردَّ عليهِ الواثِقُ بالوعدِ، المُتيقِنُ من النَّصر:"كان الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرض، فَيُجْعَلُ فيها فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ على رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ من عَظْمٍ أو عَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذلك عن دِينِهِ، والله لَيُتِمَّنَّ هذا الأَمْرَ حتى يَسِيرَ"