الصفحة 120 من 126

(واعلم أنّ هناك أفرادًا بل أقوامًا تعصَّبوا لآرائهم ومذاهبهم، وزعموا أنّ من خالف هذه الآراء والمذاهب كان مبتدعًا متَّبعًا لهواه، ولو كان متأوِّلًا تأويلًا سائغًا يتسع له الدليل والبرهان. كأن رأيهم ومذهبهم هو المقياس والميزان، أو كأنَّه الكتاب والسنة والإسلام. وهكذا استزلَّهم الشيطان وأعماهم الغرور.

ولقد نجم عن هذه الغلطة الشنيعة أن تفرَّق كثيرٌ من المسلمين شِيعًَا وأحزابًا، وكانوا حربًا على بعضهم وأعداءً. وغاب عنهم أنَّ الكتاب والسنة والإِسلام أوسع من مذاهبهم وآرائهم، وأن مذاهبهم وآراءهم أضيق من الكتاب والسنة والإسلام، وأن في ميدان الحنِيْفِيَّةِ السمْحَة متسعًا لحرية الأفكار، واختلاف الأنظار، ما دام الجميع معتصمًا بحبل من الله. ثم غاب عنهم أنَّ الله تعالى يقول:"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذُ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانا" (آل عمران: 103) ويقول جلَّ ذكره:"إِنَّ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيُء" (الأنعام: 159) ويقول تقدَّست أسماؤه:"وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوه" (آل عمران: 105) [1]

والمُتعصبُ يسير في طريقٍ مُظلمٍ لأنه معصوب العينين، لا يسمعُ نداء الحقِّ لأنَّه مسدودَ الأذنين، قد جرَّهُ هواه إلى مُنزلقٍ سحيقٍ حين حكمَ على مخالِفيهِ بالابتداعِ والهوى والنِّفاقِ بل بالكفر!!

أَرى التَعَصُّبَ أَبدى مِنكَ داهِيَةً ... كانَت تَحَجَّبُ دونَ الوَهمِ بِالحُجُبِ [2]

(لِمِثل هذا أرْبَأُ بنفسي وبك أن نتَّهم مسلمًا بالكُفر أو البدعة والهوى لمُجَرَّدِ أنَّه خالفنا في رأيِّ إسلاميٍّ نظري، فإن التزامي بالكفر والبدعة من أشنعِ الأمور. ولقد قرَّر علماؤنا أن الكلمةَ إذا احتملت الكُفرَ من تسعةٍ وتِسعينَ وجهًا، ثمَّ احتملت الإِيمان من وجهٍ واحدٍ، حُمِلَت على أحسنِ المحامِل وهو الإيمان. وهذا موضوع مفروغٌ منه ومن التدليل عليه. لكنْ يَفُتُّ في عَضُدِنا غفلة كثيرٍ من إخواننا المسلمين عن هذا الأدب الإسلامي العظيم، الذي يَحفظُ الوِحدة، ويحمي الأُخْوَّة، ويُظهر

(1) مناهل العرفان 2/ 40

(2) ديوان ابن الزيات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت