الصفحة 35 من 126

وطريقٌ تتفرعُ منه جيوبٌ لمجردِ الانتصار لرأي أو الاختلاف حوله، أو النزاع حول مجردِ فكرةٍ أو اقتراحٍ - لا يُزيدُ في الهدفِ المنشودِ ولا يُنقِص، أو يزيدُ ولكن زيادة لا تستحق معها أن تصل الأمور إلى مرحلة الشِّقاق والانشقاق- لطريقٌ يتهددُه الانزلاق والانجراف، وتتشعبُ فيه طرقُ السالكين إلى نهاياتٍ لم تُقصد ولم يُرسم لها!! نهاياتٌ تتجرعُ معها الأمة - قبل الجماعة والأفراد - ويلات لا تقِلُ عن الويلات التي تعيشُها على يدِ أعدائها؛ إذ الاتفاق على عداءِ العدو ممكن، أما الاتفاق على وحدةِ الفكرةِ والطريقةِ والأسلوب فغير ممكن، مما يعني - والحال كما يريدُه أهل الجيوب- مزيدًا من الفرقة والنزاع، ومن ثمَّ مزيدًا من تكالب الأمم ومزيدًا من التأخر والهزيمة!!

وهذه الجيوب تتنافى مع مبدأ الأمانة التي نطلبُ فهي:

أولًا: نوعٌ من المؤامرة بنيةٍ حسنة -كما يظنُ أصحابها - للوصول إلى الأصلح!! إذ أن طبيعةَ المؤامرات أن تتمَّ بالخفاءِ بعيدًا عن العيون .. عيون الرقباء وعيون الناصحين وعيون المُشفقين.

وهي ثانيًا: نوعٌ من الخروج على الطاعة وتبييت الشر، إذ لو كان الأمرُ خيرًا لتداعوا إليه ودعوا إليه وأظهروه.

وهي ثالثًا: نجوى لاخير فيها لأنَّها لا تأمرُ بمعروفٍ، ولا تصلحُ بل تُفسد، ولا تبني بل تهدم"لا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِن نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" [1] وبالتالي تأتي النتيجة الحتمية للنجوى: وهو الحزن- وهذا ما يريدُه الشيطان ويسعى إليه ويخطو به مع هؤلاء-"إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ" [2] ليُصيبهم بمرضٍ من أمراض القلوب الذي يُعيقها ويثقلها ويقعدها بل ويضلها؛ فالنجوى دون الجماعةِ طريق إلى البطالة، بل طريقٌ إلى الضلالة كما صوَّرها الخليفة الخامس رحمه الله بقوله: (ما انتجى قومٌ في دينهم دون جماعتهم، إلاَّكانوا على تأسيس ضلالة) [3]

وهي رابعًا: ليست اجتهادًا كما يُصوِّرها البعض، إذ الاجتهاد بحاجةٍ دومًا إلى التقويم، وإلى الحكم له أو عليه من أهل التخصص والمعرفة، فهل يُمكِنُ ان يكون ذلك والامرُ سرًَّا؟!

(1) النساء 114

(2) المجادلة 10

(3) الزهد للأمام أحمد 291

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت