وهي خامسًا: فيها شبهةُ غدرٍ وهي صفةٌ نُعيذُ بها كل من سلك هذا الطريق. فأيُ محاولةٍ لتمزيقِ الصفِ بعد التئامه، أو بعثرته بعد رصِّه، أو تفريقه بعد جَمْعِه -لمجردِ اختلافٍ في الرأي، أو تباين في وجهات النظر- هو نوع غدرٍ يُنصب لصاحبِه بسببه لواءٌ يُعرف به يوم القيامة"إذا جَمَعَ الله الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يوم الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ فَقِيلَ هذه غَدْرَةُ فُلانِ بن فُلانٍ" [1]
وبالتالي فإنَّ طريقنا لا يصلحُ له إلاَّ من صوَّره مهيارُ الديلمي بقوله:
كلِفٌ بأنْ يوفي الأمانة حافظٌ ... للعهدِ تعرفهُ الحقوقُ وتعسِفُ
وأنا هُنا لا أقصدُ الصَّادقين من أبناءِ المسيرةِ الذين رُبَّما رَأوا الخطأَ والاعوِجَاجَ، وأخذهم الحِرصُ والخوف على مسيرتهم من السقوطِ فنصحوا وبيَّنوا ثُمَّ لم يُسمع لهم، أو يُهتم لكلامِهِم، فأخذوا جانبًا، ليُصلحوا بأسلوبٍ آخر لا ليُشهِّروا، ولِيبحثوا لا لِيتناجوا، وليَِبْنُوا لا ليهدِموا، فهؤلاءِ لايُصنَّفون مع أولئِك، فلِكُلِّ تصرُّفٍ تَصنيفُه الذي يليقُ بِه.
من يأخذ هذا الطريق بحقه؟!
أستوحي هذا العنوان التساؤلي من قول النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- لأصحابه الفرسان يوم أحد:"مَن يَأْخُذُ هذا السَّيْفَ بِحَقِّه"؟! فقام الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب وغيرهم من الصحابةِ كلٌ يقول: أنا يا رسول الله، والنبي يُعْرِضُ عنهم ويقولُ"مَن يَأْخُذُ هذا السَّيْفَ بِحَقِّه"؟! حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: أنا آخُذُه يا رسول الله بِحِقِّه، فما حقُّه؟ قال:"أن لا تَقْتُلَ به مُسْلِمًا، ولا تَفرَّ به عن كافر"- وفي رواية - قال:"أنْ تَضْرِبَ به في العدو حتى يَنْحَنِى"فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلًا شجاعًا يَختالُ عند الحرب، فأخذَ السَّيف من رسول الله - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وأخرج عصابة فعصب بها رأسهُ، فكان لا يَمُرُّ بكافرٍ إلا فلقَ هامَتَه، ولا بشيءٍ إلا أفراه، فضربَ به حتى جاء به قد حناه، فقال رسول الله - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-: أعطيته حقَّه؟؟ قال نعم. [2]
(1) رواه مسلم برقم 1735
(2) انظر القصة في كتب السير