روح الحياةِ، وأنتَ تُفْطِرُ اللَّيلةَ عندنا إن شاء الله تعالى. فانتبهت يا عبد الواحد ولا صَبَر لي عنها. قال عبد الواحد فما انقطع كلامُنا حتى ارتفعتْ لنا سريةٌ من العدو فَحَمَلَ الغلامُ فَعَددتُ تسعة من العدو قَتَلهم وكانَ هو العاشر، فمررتُ بِه وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِه وهو يَضحكُ مِلءَ فيهِ حتى فارق الدُنيا. ولله در القائل:
يا مَنْ يُعانِقُ دُنيا لا بَقَاءَ لها ... يُمْسِي ويُصْبِحُ مَغرورًا وغرَّارا
هلاَّ تَركتَ مِن الدُنيا مُعانَقَةً ... حتى تُعانِقَ في الفِردوسِ أبْكارا
إِنْ ُكنتَ تَبْغى جِنانَ الخُلدِ تَسكُنُها ... فَيَنْبَغِي لكَ أنْ لا تَأْمَنَ النَّارا [1]
أيُها الفُرسان!
إنَّ ملازمتكم للعبادةِ الجسديةِ والقلبية تهبكُم السَّكينة والإخبات، وتفتحُ عليكُم أبوابًا من الخير، وتجعلُ لكم نورًا تمشونَ به، وتُميِّزون من خلالِهِ بين الحقِّ والباطِل، والصَّوابِ والخطأ.
كما أنَّ مُلازمتكم لها تُعطيكُم الرَّاحة من عناءِ العملِ وتبِعاتِه، فلم يكُن عليه الصَّلاةُ والسَّلام يجدُ راحتهُ من ذلك العناء والجَهدِ إلاَّ بها، فكان إذا نابَهُ أمرٌ فزعَ إلى الصَّلاة، وكان يُنادي بلالًا -رَضِيَ اللهُ عَنْه-:"يا بِلالُ أَقِمْ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بها" [2]
والعِبادة تنشئُ في القلب حياةً بعد موت، وتُطلقُ فيه نورًا بعد ظُلمة.
(يجدُ الإنسانُ في قلبِهِ هذا النُّور فيجدُ الوضوحَ في كلِّ شأنٍ وفي كلِّ أمرٍ وفي كلِّ حدث .. يجدُ الوضوحَ في نفسه وفي نواياهُ وخواطِرهُ وخُطَّتهُ وحركتَهُ. ويجدُ الوضوح فيما يَجري حَولَهُ سواءً من سُنَّةِ الله النَّافِذة, أو مِن أَعمالِ النَّاسِ ونَواياهُم وخُططهم المُستترةُ والظَّاهرة! ويجدُ تفسيرَ الأحداثِ والتاريخِ في نفسهِ وعقلهِ وفي الواقعِ من حولِه, كأنَّهُ يَقرأُ مِن كتاب!
(1) تفسير روح البيان (سورة التوبة) ص 516
(2) رواه أبوداود برقم 4985